مجلس الشباب والعمل الجمعوي.. هل تنهي الحكومة المقبلة سنوات الانتظار؟
بقلم: ياسين اللغميش – فاعل جمعوي بالمغرب
بعد سنوات من الانتظار والنقاش حول تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، يعود هذا الملف إلى الواجهة من جديد، في ظل اقتراب مرحلة سياسية جديدة، وما تفرضه من أسئلة حول مدى ترجمة المقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بمشاركة الشباب والمجتمع المدني إلى واقع مؤسساتي وعملي.
فدستور المملكة لسنة 2011 نص صراحة على إحداث المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، وربط أدواره بقضايا الشباب والعمل الجمعوي، وتعزيز مشاركة الشباب في الحياة الوطنية، وتنمية طاقاتهم الإبداعية وترسيخ روح المواطنة المسؤولة.
وفي سنة 2018، صدر القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس، محدداً اختصاصاته وتركيبته وتنظيمه وقواعد سيره، غير أن مسار تفعيله ظل موضع تساؤل وانتظار.
وتشير وثيقة رسمية منشورة سنة 2023 إلى أن المجلس، رغم توفر الإطار القانوني المنظم له، لم يكن قد تشكل بعد، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: متى تنتقل المقتضيات الدستورية والقانونية من النصوص إلى المؤسسات الفاعلة؟
بالنسبة إلى عدد من الفاعلين الجمعويين، فإن النقاش لا يتعلق بمجرد إحداث مؤسسة جديدة، وإنما بمدى قدرتها على توفير فضاء مؤسساتي حقيقي للإنصات إلى الشباب والمجتمع المدني والمساهمة في صياغة وتقييم السياسات العمومية المرتبطة بقضاياهم.
فالشباب المغربي، بمختلف جهاته ومجالات اشتغاله، لا يقتصر حضوره على المدن الكبرى أو على الجمعيات والشبكات الوطنية، بل يمتد إلى مختلف الجهات والمناطق القروية والجبلية والمجالات النائية، حيث توجد طاقات ومبادرات شبابية في مجالات الثقافة والرياضة والتطوع والابتكار وريادة الأعمال والبيئة والتنمية المحلية وغيرها.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال التمثيلية باعتباره أحد أهم التحديات التي ستواجه أي تصور مستقبلي للمجلس: من سيمثل الشباب؟ وكيف سيتم اختيار ممثليهم؟ وهل ستضمن آليات الاختيار حضور مختلف الجهات والفئات والجمعيات والشباب غير المنخرطين في شبكات جمعوية كبرى؟
إن إحداث المجلس، في حد ذاته، لا ينبغي أن يكون الغاية النهائية، بل يفترض أن تكون له أدوار واضحة وملموسة، من خلال إعداد الدراسات، والاستماع إلى الشباب، وتقديم المقترحات، وتتبع السياسات العمومية المتعلقة بالشباب والعمل الجمعوي، والمساهمة في تقييمها.
كما أن فعالية المجلس ستظل مرتبطة بمدى ضمان استقلاليته وشفافية تركيبته ووضوح آليات اشتغاله وقدرته على تحويل آراء الشباب والفاعلين الجمعويين إلى توصيات ومقترحات قابلة للنقاش داخل المؤسسات المعنية.
فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس مجلساً يكتفي بالاجتماعات والبلاغات والمناسبات، وإنما مؤسسة قادرة على إنتاج الأفكار والمعطيات وفتح نقاش وطني منتظم حول قضايا الشباب والمجتمع المدني.
لقد تغيرت اهتمامات الشباب المغربي بشكل كبير منذ سنة 2011، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وصعود الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الإبداعي والمقاولة الاجتماعية والثقافة الرقمية.
لذلك، فإن التعامل مع قضايا الشباب يتطلب الانتقال من منطق “ماذا سنقدم للشباب؟” إلى منطق “ماذا سنبني مع الشباب؟”، بما يجعلهم شركاء في التفكير والاقتراح وصياغة السياسات التي تهم حاضرهم ومستقبلهم.
وهنا يمكن للمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، إذا تم تفعيله وفق رؤية واضحة، أن يشكل فضاءً وطنياً للإنصات والتفكير والاقتراح والتقييم، وأن يساهم في تقريب المؤسسات من انتظارات الشباب والفاعلين الجمعويين.
ومع دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة، يظل ملف المجلس واحداً من الملفات التي تنتظر جواباً واضحاً حول مستقبلها.
هل سيتم تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي؟ ومتى؟ وبأي تصور؟ ومن سيشارك في صياغة هذا التصور؟ وكيف ستضمن تركيبته تمثيلية حقيقية للشباب والمجتمع المدني بمختلف مكوناته ومجالاته؟
هذه الأسئلة لا تندرج بالضرورة في إطار مواجهة سياسية أو انتقاد لحكومة بعينها، بقدر ما تعكس نقاشاً مؤسساتياً حول مدى تنفيذ المقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بمشاركة الشباب والعمل الجمعوي.
فالمغرب يتوفر على طاقات شبابية وجمعوية واسعة، والتحدي المطروح لا يتعلق بغياب المبادرات، وإنما بمدى توفير القنوات المؤسساتية القادرة على احتضانها والاستماع إليها والاستفادة منها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً أمام الحكومة المقبلة: هل سيخرج المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي من سنوات الانتظار إلى فضاء الفعل المؤسساتي، أم سيظل ملفاً مؤجلاً؟
وهو سؤال ينتظر، قبل كل شيء، جواباً واضحاً من المؤسسات، وشباباً ومجتمعاً مدنياً يتطلعان إلى مشاركة أكثر حضوراً في صناعة السياسات العمومية.
