البوليساريو في مواجهة المسار الأممي.. هل تحوّلت مهاجمة دي ميستورا إلى وسيلة للهروب من استحقاقات التسوية؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في خطوة تعكس حجم التوتر الذي يطبع موقف البوليساريو من التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، لوّحت الجبهة بمراجعة تعاونها مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، متهمة إياه بالانحياز إلى المغرب، على خلفية تصريحات منسوبة إليه بشأن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات المقبلة.

ويأتي هذا التصعيد في سياق يتسم بتزايد النقاش الدولي حول سبل التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع، ما يجعل موقف البوليساريو من الوساطة الأممية موضع تساؤل، خصوصاً أن دور المبعوث الأممي يتمثل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، وليس تبني مواقف أي طرف على حساب الآخر.

وبدل التعامل مع التحركات الدبلوماسية من منطلق الحوار والبحث عن أرضية مشتركة، اختارت البوليساريو التلويح بإعادة النظر في علاقتها بالمبعوث الأممي، في خطوة قد تزيد من تعقيد جهود الوساطة وتطرح علامات استفهام حول مدى استعدادها للتفاعل مع المساعي الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع.

ولا يقتصر الجدل على موقف الجبهة من المبعوث الأممي، بل يمتد إلى طبيعة العقلية التي تدير بها خلافاتها السياسية، ومدى قدرتها على التمييز بين الاعتراض على مواقف الوساطة الدولية وبين التهديد بتقويض قنوات التواصل معها. فالتلويح بمراجعة التعاون كلما برزت مواقف لا تنسجم مع حساباتها يثير تساؤلات بشأن تغليب منطق التصعيد على متطلبات التفاوض، ومدى استعداد الجبهة للتعامل بمرونة مع التحولات التي يعرفها المسار الدبلوماسي.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر يتعلق باستقلالية القرار داخل البوليساريو، في ظل ارتباطها السياسي والعسكري الوثيق بالجزائر، التي تشكل طرفاً محورياً في هذا النزاع. فهل تعكس مواقف الجبهة حسابات سياسية خاصة بها، أم أنها تتقاطع مع توجهات المؤسسة العسكرية الجزائرية ومقاربتها لهذا الملف؟ وهو تساؤل يتجدد كلما اختارت الجبهة التصعيد بدل توسيع هامش الحوار، وإن كان الجزم بطبيعة آليات اتخاذ القرار داخلها يظل رهيناً بمعطيات موثوقة ومثبتة.

ويرى منتقدو البوليساريو أن استمرار هذا النهج لا يخدم فرص بناء الثقة، بل يعزز الانطباع بأن حسابات المواجهة ما تزال حاضرة بقوة في تدبير الملف، على حساب البحث عن تسوية سياسية قابلة للاستمرار. كما يعتبرون أن الارتهان لمنطق التصعيد قد يضيّق هامش المناورة الدبلوماسية للجبهة، ويجعلها أكثر عرضة لانتقادات تتعلق بمدى تجاوبها مع جهود الأمم المتحدة.

إن الاعتراض على مواقف المبعوث الأممي يظل حقاً سياسياً، غير أن تحويل الخلاف إلى تهديد بقطع أو مراجعة التعاون معه يطرح إشكالاً يتعلق بمدى الالتزام العملي بمسار الوساطة. فالتسوية السياسية لا تتحقق بمجرد التشكيك في الأطراف أو التصعيد ضدها، وإنما تتطلب استعداداً للتفاوض، وتقديم مقترحات قابلة للنقاش، والتفاعل مع المبادرات المطروحة وفق منطق الواقعية والمسؤولية.

وفي المحصلة، فإن أزمة البوليساريو مع دي ميستورا تتجاوز حدود خلاف ظرفي حول تصريحات أو مواقف، لتعيد فتح النقاش بشأن طبيعة القرار داخل الجبهة، وحدود استقلاليته عن الحسابات الإقليمية، ومدى قدرة قيادتها على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام مختلف الأطراف هو مدى استعدادها لدعم مسار أممي جاد، يفتح المجال أمام حل سياسي للنزاع بعيداً عن التصعيد والمزايدات.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.