أبو العبر والدادية.. حين يتحول العبث إلى سؤال فلسفي عن حدود الفن والإبداع
في تاريخ الإبداع الإنساني، لم يكن الجمال دائمًا مرادفًا للانسجام، ولا كانت القواعد الصارمة شرطًا ضروريًا لصناعة الفن. فقد استطاع بعض المبدعين أن يلفتوا الأنظار من خلال كسر المألوف، ومخالفة التوقعات، واستفزاز الذوق العام، فاتحين بذلك نقاشًا فلسفيًا مستمرًا حول ماهية الفن وحدود الإبداع.
ومن بين الشخصيات التي تثير هذا التأمل، يبرز أبو العبر، الشاعر العباسي الذي ارتبط اسمه بالنوادر والملح والغرابة، والذي تقدم تجربته مدخلًا لقراءة العلاقة بين العبث والسخرية وصناعة الصورة الفنية.
في العصر العباسي، الذي شهد ازدهارًا كبيرًا في الشعر والنقد والبلاغة، احتدمت المنافسة بين الشعراء، وبرزت أسماء صنعت مجدها من خلال قوة اللغة وعمق المعنى وجمال الصورة، وفي مقدمتها البحتري وأبو تمام.
وفي هذا المناخ الثقافي، ارتبط أبو العبر بأسلوب مختلف، قوامه الطرافة والنوادر والخروج عن المألوف. وبدلًا من النظر إلى تجربته باعتبارها مجرد هامش هزلي في تاريخ الأدب، يمكن قراءتها من زاوية أخرى: كيف يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه مكانة في المجال الثقافي عبر أدوات مغايرة لما يفرضه السياق السائد؟
إن هذه القراءة لا تعني الجزم بأن أبا العبر تعمد اتخاذ التحامق بديلًا عن المنافسة الشعرية بسبب عجزه عنها؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى أدلة تاريخية واضحة. لكنها تتيح لنا التساؤل عن الدور الذي يمكن أن تؤديه السخرية والغرابة في تشكيل صورة المبدع، وعن قدرة الخروج عن المألوف على جذب الانتباه في بيئة تحكمها معايير فنية راسخة.
فهل تكون الغرابة أحيانًا وسيلة لإثبات الحضور حين تضيق مساحات الاعتراف التقليدي؟ وهل يمكن للصورة الساخرة أن تصبح، في حد ذاتها، شكلًا من أشكال التعبير؟
بعد قرون طويلة من العصر العباسي، ظهرت الحركة الدادية في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى، في سياق اتسم بالدمار والاضطراب وفقدان الثقة في كثير من القيم والمؤسسات التي كانت تدعي تمثيل العقل والتقدم.
وجاءت الدادية لتشكك في المفاهيم التقليدية للفن، وتتمرد على الأشكال الفنية المألوفة، مستعملة العبث والمفارقة والكولاج والتجريب، بل وإثارة الصدمة أحيانًا، باعتبارها وسائل لطرح أسئلة حول الثقافة والسلطة والذوق والمعايير الجمالية.
وقد جسدت بعض أعمال مارسيل دوشامب، ومنها عمله الشهير «النافورة» سنة 1917، هذا التحدي للمفهوم التقليدي للعمل الفني، من خلال تقديم غرض صناعي جاهز داخل سياق فني يثير سؤالًا جوهريًا: هل تتحدد قيمة الفن في المادة التي يتكون منها، أم في الفكرة التي يقدمها، أم في السياق الذي يمنحه صفة العمل الفني؟
هنا يصبح التمرد أكثر من مجرد مخالفة شكلية؛ إذ يتحول إلى وسيلة لاختبار الحدود التي يرسمها المجتمع والمؤسسات الفنية بين ما يُعد فنًا وما يُستبعد من دائرته.
لا يمكن وضع أبي العبر والدادية في سياق تاريخي واحد، ولا اعتبار الشاعر العباسي مؤسسًا مبكرًا لهذه الحركة الأوروبية أو القول بوجود تأثير مباشر بين التجربتين. فلكل منهما ظروفه الثقافية والفكرية الخاصة، كما تختلف طبيعة الممارسة الأدبية عن التجريب التشكيلي الذي ارتبط بالدادية.
لكن المقارنة بينهما تظل ممكنة على المستوى الفكري، لا بوصفها علاقة نسب تاريخي، وإنما باعتبارها مدخلًا لفهم قدرة الغرابة على زعزعة التوقعات.
ففي تجربة أبي العبر، كما تُستحضر في كتب الأدب والنوادر، تتجلى مفارقة الشخصية التي تصنع حضورها من خلال الطرافة والخروج عن المألوف. أما في الدادية، فقد أصبح العبث والتمرد جزءًا من مشروع فني واعٍ يسائل المعايير التي تمنح العمل صفة الفن.
وفي الحالتين، تبرز أسئلة تتجاوز الضحك أو الصدمة: من يحدد قيمة الإبداع؟ وهل يكتسب الفعل الغريب قيمته من ذاته، أم من الطريقة التي يستقبله بها الجمهور، أم من السياق الذي يوضع فيه؟
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مجرد التصرف الغريب والفعل الفني؛ فليس كل خروج عن القواعد إبداعًا، ولا كل صدمة تحمل بالضرورة معنى عميقًا. إذ تتوقف القراءة الفنية على طبيعة الفعل، وسياقه، وما يثيره من دلالات وأسئلة.
فلسفيًا، يضعنا العبث أمام مفارقة دقيقة: قد يكون كسر القواعد ضرورة لتجديد الفن، لكنه قد يتحول أيضًا إلى تكرار فارغ إذا أصبح هدفه الوحيد لفت الانتباه.
فالإبداع لا يعيش بالضرورة داخل القواعد، لكنه لا يكتسب قيمته تلقائيًا بمجرد هدمها. قد ينجح المبدع في تحويل الفوضى إلى لغة، والسخرية إلى نقد، والغرابة إلى أداة للكشف عن تناقضات المجتمع. وقد يظل الفعل، في المقابل، مجرد استعراض لا يترك وراءه سوى لحظة عابرة من الدهشة.
ومن هنا، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان الفن مطالبًا باحترام القواعد أو التمرد عليها، بل في قدرته على إنتاج معنى، أو إعادة النظر في معنى قائم، أو فتح أفق جديد أمام المتلقي.
فالعمل الذي يخالف التوقعات ليس بالضرورة عملًا عظيمًا، كما أن العمل المنضبط بالقواعد ليس بالضرورة تقليديًا أو فاقدًا للابتكار. إن العلاقة بين الحرية والشكل أكثر تعقيدًا من هذا التقابل البسيط.
تفتح تجربة أبي العبر، عند قراءتها من هذه الزاوية، بابًا آخر للتأمل في صناعة الشهرة. فالصورة التي تتشكل حول المبدع لا تنبع دائمًا من أعماله وحدها، بل تتأثر أيضًا بالنوادر المتداولة عنه، وبطريقة استقبال الناس لشخصيته، وبما تختاره الذاكرة الجماعية للاحتفاظ به.
وقد يتحول الشاعر في المخيال العام من صاحب تجربة أدبية إلى شخصية طريفة، أو يصبح سلوكه أكثر شهرة من إنتاجه. وهذه الظاهرة لا تخص الأدب العباسي وحده، بل تتكرر في مجالات فنية وثقافية مختلفة، حيث تتداخل قيمة العمل مع صورة صاحبه وطريقة تسويقه وتلقيه.
وهنا يبرز سؤال معاصر: هل الشهرة دليل على القيمة الفنية، أم أنها دليل على القدرة على إثارة الاهتمام؟ وهل يمكن للغرابة أن تصنع حضورًا واسعًا دون أن تمنح صاحبها بالضرورة مكانة إبداعية راسخة؟
إن الإجابة تقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات: القدرة على جذب الانتباه، والنجاح في بناء صورة عامة، والقيمة الفنية التي تصمد أمام النقد والزمن. فقد تجتمع هذه المستويات في تجربة واحدة، وقد يفترق بعضها عن بعض.
إن استحضار أبي العبر إلى جانب الدادية لا يهدف إلى مساواة تجربتين تفصل بينهما قرون وسياقات مختلفة، بل إلى فتح نافذة فلسفية على سؤال يتجدد مع كل تحول فني: هل يولد الإبداع من احترام المألوف أم من القدرة على تجاوزه؟
ربما لا توجد إجابة نهائية عن هذا السؤال؛ فالفن نفسه يتغير بتغير المجتمعات وأذواقها ومفاهيمها. لكن المؤكد أن العبث لا يصبح إبداعًا لمجرد أنه عبث، وإنما عندما يفتح مجالًا للتأويل، أو يكشف تناقضًا، أو يدفع المتلقي إلى إعادة النظر في المسلمات.
وبين شاعر عباسي صنع حضوره في ذاكرة النوادر، وحركة أوروبية جعلت التمرد جزءًا من خطابها الفني، تظل القضية واحدة في جوهرها: ليست كل مخالفة إبداعًا، لكن الإبداع قد يبدأ أحيانًا من اللحظة التي نتوقف فيها عن اعتبار المألوف معيارًا وحيدًا للحقيقة والجمال.
