دواي تيفي – رأي
أثار الكسوف الشمسي الأخير اهتماماً واسعاً، ليس فقط لدى الفلكيين والمهتمين بالعلوم، وإنما أيضاً لدى وسائل الإعلام التي واكبت الظاهرة وقدمت للمواطنين نصائح وتحذيرات بشأن مخاطر النظر المباشر إلى الشمس، حفاظاً على سلامة العينين.
وفي خضم هذا الاهتمام، حضرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدورها لتذكير المغاربة بالأحكام المرتبطة بصلاة الكسوف، وبما يقتضيه المذهب المالكي في ما يتعلق بأداء النوافل خلال أوقات الكراهة.
وهو تذكير ديني مشروع في سياقه، ويعكس حرص المؤسسة الدينية الرسمية على إبراز خصوصية المرجعية المالكية التي تشكل أحد المكونات الأساسية للهوية الدينية المغربية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز ظاهرة فلكية عابرة: إذا كانت الوزارة حريصة على تذكير المغاربة بأحكام المذهب المالكي عند حدوث كسوف شمسي، فأين هو حضور هذه المرجعية عندما يتعلق الأمر بالتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع؟
فالكسوف الذي يستحق التأمل، في نظر منتقدي تدبير الشأن الديني، ليس فقط ذلك الذي يحجب الشمس لدقائق، وإنما ما يمكن وصفه بـكسوف القيم والأخلاق الذي يراه كثيرون يتسع داخل المجتمع.
الأمانة، والعفة، والحياء، والنزاهة، والتكافل، واحترام الآخر، والابتعاد عن الجشع والأنانية والخداع، كلها قيم دينية وأخلاقية يفترض أن تكون في صلب الخطاب الديني والتربوي، لا أن تحضر فقط في المناسبات والظواهر الدينية الموسمية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يكفي أن يعرف المواطن حكم صلاة الكسوف، بينما يظل النقاش حول قضايا الفساد، والرشوة، واستغلال النفوذ، والغش، والعنف، وتفكك الأسرة، وانحسار الثقة، وضعف التضامن الاجتماعي، محدوداً داخل الخطاب الديني الرسمي؟
المغرب يتوفر على تراث فقهي عريق، وكان للمذهب المالكي حضور تاريخي بارز في تشكيل الحياة الدينية والاجتماعية بالمملكة. ولذلك فإن استحضاره لا ينبغي أن يقتصر على الأحكام الجزئية والمناسبات، بل يمكن أن يمتد إلى قيمه ومقاصده الكبرى في العدل والأمانة وصيانة الحقوق وحفظ كرامة الإنسان.
ولعل ما ينسب إلى الإمام مالك من مواقف في هذا الباب يحمل دلالة رمزية قوية؛ إذ تروي كتب التراث أن بعض الأسئلة الجزئية كانت تستفز العالم عندما تأتي في سياق اجتماعي أكبر مليء بالمظالم، بما يعكس أن الفقه لم يكن منفصلاً عن واقع الناس وقضاياهم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التقليل من أهمية الفتوى المتعلقة بصلاة الكسوف، ولا الاعتراض على التذكير بأحكام المذهب المالكي، وإنما توسيع زاوية النظر.
فإذا كان الكسوف الشمسي يستحق التحذير من النظر إليه بالعين المجردة، فإن كسوف الأخلاق يحتاج بدوره إلى تحذير أشد، وتوعية مستمرة، وخطاب ديني قادر على الوصول إلى الناس في حياتهم اليومية.
كما أن الخطاب الديني في عصر شبكات التواصل الاجتماعي يحتاج إلى تطوير أدواته، والاقتراب أكثر من الأسئلة التي تشغل الشباب، بدل ترك المجال فارغاً أمام المؤثرين والمنصات الرقمية لتشكيل وعي الأجيال الجديدة.
المجتمع المغربي لا يحتاج فقط إلى معرفة حكم النافلة في وقت الكراهة، وإنما يحتاج كذلك إلى خطاب واضح حول احترام المال العام، ومحاربة الرشوة، وصيانة الأعراض، واحترام المرأة، وحماية الأطفال، ونبذ العنف، ومواجهة الكذب والتشهير والتنمر، وترسيخ ثقافة المسؤولية.
وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد موقف فقهي من صلاة الكسوف: هل نريد للمذهب المالكي أن يكون مجرد مرجعية للأحكام الدينية الجزئية، أم نريده مرجعية أخلاقية وقيمية حاضرة في تفاصيل حياة المجتمع؟
إن الكسوف الحقيقي لا يحدث عندما تختفي الشمس خلف القمر لبضع دقائق، وإنما عندما تتراجع القيم التي تحفظ تماسك المجتمع، ثم نعتاد على ذلك وكأنه أمر طبيعي.
ولذلك، ربما يكون من المفيد أن تنظر المؤسسات الدينية إلى الظواهر التي تعيشها البلاد باعتبارها أيضاً “كسوفات” تحتاج إلى قراءة ومعالجة: كسوف الأخلاق، وكسوف الأمانة، وكسوف المسؤولية، وكسوف التضامن.
فالشمس ستعود إلى إشراقها بعد كل كسوف، أما القيم إذا انحسرت طويلاً، فإن استعادتها تحتاج إلى عمل تربوي وديني ومجتمعي طويل النفس.