“سنة أذابت الشحم وأكلت اللحم ودقت العظم”.. حين انتصر طفل بفصاحته على صمت الرجال أمام الخليفة هشام بن عبد الملك

ليست كل المواقف العظيمة بحاجة إلى أصحاب المناصب والوجاهة، وليست الحكمة دائماً حكراً على كبار السن؛ فقد يحدث أن تختصر كلمات طفل ما تعجز عنه خطب الرجال، وأن يتحول صوت صغير إلى مرآة تكشف معاناة أمة، وتضع أصحاب القرار أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية.

ومن بين القصص الأدبية والتاريخية التي بقيت حاضرة في الذاكرة العربية، تبرز حكاية الغلام درواس بن حبيب، الذي وقف أمام الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، في زمن اشتد فيه القحط والجدب على أهل البادية، ليحكي بلسان الفصاحة ما عجزت عنه ألسنة الوفد المرافق له.

تروي الحكاية أن وفداً من العرب قدم إلى الخليفة يشكو ما أصاب الناس من جوع وضيق، بعدما تعاقبت عليهم سنوات قاسية أرهقت الأجساد واستنزفت أسباب الحياة. وكان بين أفراد الوفد غلام صغير السن، لم يتجاوز، بحسب الرواية المتداولة، السادسة عشرة من عمره، يرتدي ثياباً بسيطة، لكنه كان يحمل من قوة البيان ما لم يحمله كثير ممن حوله.

وحين لاحظ هشام بن عبد الملك صمت الرجال، تقدم الغلام طالباً الإذن بالكلام، مستهلاً حديثه بعبارة أصبحت من الشواهد البليغة في التراث العربي:

«يا أمير المؤمنين، إن للكلام نشراً وطياً، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره».

ثم انتقل إلى وصف سنوات المحنة، قائلاً إن الناس مروا بثلاث سنوات متعاقبة من الشدة؛ سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم.

ولم تكن هذه العبارات مجرد صور بلاغية للتأثير في الخليفة، بل حملت في معناها تصويراً قاسياً للتدرج في المعاناة الإنسانية؛ فالجوع في بدايته يستنزف ما ادخره الجسد، ثم يمتد أثره إلى اللحم والقوة، قبل أن يبلغ الإنسان مرحلة الإنهاك الشديد، حيث تصبح الحياة نفسها معركة يومية من أجل البقاء.

لكن قوة خطاب درواس لم تتوقف عند وصف المأساة، بل انتقل إلى جوهر المسؤولية، موجهاً إلى الخليفة سؤالاً أخلاقياً عميقاً بشأن المال والثروة، قائلاً:

«وفي أيديكم فضول مال؛ فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين».

وهنا تحولت الشكوى من طلب للمساعدة إلى مساءلة فلسفية عن معنى السلطة والمال والعدل. فالمال، وفق منطق الغلام، لا ينبغي أن يبقى حبيس الخزائن بينما يعاني الناس الجوع، والسلطة لا تكتمل قيمتها بما تملكه من ثروة، بل بما تقدمه لمن يحتاجون إلى رعايتها.

وتذكر الرواية أن هشام بن عبد الملك أعجب بفصاحة الغلام وقوة حجته، وقال: «ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذراً»، ثم أمر بالعطاء لأهل البادية، وخصص للغلام مائة ألف درهم، وفق ما ترويه الحكاية.

إن القيمة الحقيقية لهذه الحكاية لا تكمن فقط في فصاحة طفل وقف أمام خليفة، ولا في المكافأة التي حصل عليها، بل في الرسالة التي تركتها عبر الزمن: أن الكلمة الصادقة قد تكون أقوى من الصمت الجماعي، وأن وصف المعاناة ليس كافياً ما لم يتحول إلى مطالبة واضحة بالإنصاف.

كما تطرح القصة سؤالاً يتجاوز زمنها: ما قيمة الثروة إذا لم تصل إلى المحتاجين؟ وما معنى المسؤولية إذا انفصلت عن معاناة الناس؟ وهل يمكن الحديث عن قوة الدولة دون ضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لمواطنيها؟

لقد استطاع درواس، كما تصوره الرواية، أن يجعل من ثلاث جمل قصيرة لوحة كاملة عن الجوع، وأن يحول مجلس الخليفة إلى لحظة مواجهة بين امتلاك المال وواجب إنفاقه.

فليس أخطر على المجتمعات من أن تجوع الأجساد وتصمت الألسنة، وليس أجمل من كلمة حق تخرج في وقتها لتذكر أصحاب القرار بأن الإنسان هو الغاية، وأن العدل ليس منّة، وأن كرامة الناس لا ينبغي أن تنتظر حتى تدق العظام.

الأدب العربيالبلاغة العربيةالتاريخ الأمويالتراث العربيالحكمةالعدل الاجتماعيالفقر والجوعالقيم الإنسانيةالمسؤوليةدرواس بن حبيبدواي تيفيفصاحة الأطفالقصص التاريخهشام بن عبد الملك
Comments (0)
Add Comment