كيف يؤدي الرابط الاجتماعي إلى إعادة إنتاج الفقر والهشاشة في المجتمعات البسيطة؟
☆رحال بن الصويرة☆
إن مفهوم الرابط الاجتماعي لا ينفصل عن وعي المجتمعات نفسها، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستقلالية الأفراد، حيث يعتبر الرابط الاجتماعي المفهوم المفسر للعلاقة التي تجمع بين الفرد والمجتمع والعلاقة القائمة بينهما. ركز العديد من الباحثين في علم الاجتماع كاميل دوركايم وأوجست كونت وماكس فيبر وكارل ماركس وجورج سيمل، على العلاقة بين الفرد والمجتمع، مركزين على القواعد والقوانين التي يتم بناؤها اجتماعيا والتي يمكن من خلالها تحقيق الحراك الاجتماعي للأفراد.
إن العلاقة التي تربط الفرد بالمجتمع تظل متغيرا مفسرا لمجموعة من الأحداث والمواقف التي يعيشوها الفرد داخل المجتمع. فالفرد داخل الجماعة يظل محميا وأكثر أمنا بمقارنة بالفرد الذي لم يستطيع الدخول في جماعة معينة، أن قوة الروابط الاجتماعية تحقق للأفراد الأمن والاستقرار والاندماج الاجتماعي والاعتراف الذي يرغبون في الحصول عليه. إن المجتمع يضع كل إنسان منذ ولادته في علاقة من الترابط مع الآخرين، وأن التضامن يشكل في جميع مراحل تنشئته الحماية من كل تقبات الحياة الاجتماعية.
بدأ التفكير في مفهوم الرابط الاجتماعي مع إميل دوركايم من خلال كتابه “في تقسيم العمل الاجتماعي” حيث حاول من خلال أطروحته الإجابة على سؤال مركزي، وهو: كيف يمكن أن يصبح الفرد أكثر استقلالية وهو يعتمد في جل أنشطته على المجتمع؟ ليوضح فيما بعد أن الفرد لا يمكنه أن يصبح مستقلا إلا من خلال بروز شكل جديد من بين أشكال التضامن الذي يتحدث عنها دوركايم؛ ويعني بذلك التضامن العضوي organic solidarity وهو نوع من التضامن الذي يميز المجتمعات الحديثة حيث يكون الفرد أكثر استقلالية وتحررا من قيود المجتمع، واكثر ارتباطا بالقوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية، يقوم بوظيفة ما حسب التقسيم الاجتماعي للعمل دون أن يمزج بين مجموعة من الوظائف والأدوار، أما التضامن الألي الذي تتميز به المجتمعات التقليدية؛ حيث أن الأفراد لا يختلفون كثيرا عن بعضهم البعض، يتشاركون نفس المشاعر، ويلتزمون بنفس القيم والمعتقدات.
بيد أن هذا التقسيم الذي قام به إميل دوركايم للتضامن يعود في الأصل إلى عالم الاجتماع الألماني F.TONNES، الذي تحدث قبل دوركايم عن GEMEINSCHAFT، والذي يقصد بها بالألمانية التضامن العضوي حسب التقسيم الذي قدمه دوركايم، وGESELLSCHAFT، والذي تعني التضامن الألي، فعندما نقرأ الخصائص الذي تميز كل نوع من التضامن نجد نفس الخصائص التي قدمها دوركايم، فقط كمن باب الفصل يمكن القول أن الكلمتين اللتان لا يمكن ترجمتهما، يحيلان بالأساس إلى الجماعة والمجتمع، فالجماعة هي التي تكون فيها القوانين العرفية والوعي الجمعي والتشابه سائد، كما هو الحال في المجتمع القروي بالمغرب، والمجتمع الذي يتميز بالقوانين الوضعية وتقسيم كثيف في العمل، حيث كل شخص يقوم بالمهام المنوطة به دون أن يقوم بوظائف أخرى عكس الجماعة التي يمكن أن يقون الشخص الواحد بمجموعة من الحرف في نفس الآن.
يبرز صاحب كتاب الأشكال الأولية للحياة الدينية مفهوم أساسي ومركزي لفهم قوة الروابط الاجتماعية وهو الوعي الجمعي، والذي يعرفه بأنه مجموعة من المعتقدات والمشاعر المشتركة بين الأفراد في نفس المجتمع، يرى دوركايم أن الوعي الجمعي يضعف أساسا في المجتمعات ذات التضامن العضوي، بل أكثر من ذلك إنه شرط أساسي من بين شروط تقسيم العمل الكثيف، فلا يمكن لكل شخص أن يقوم بمهمة معينة إلا إذا كان هناك اختلاف في التوجهات والاختيارات والمهارات.
بالنسبة لدوركايم فإن الشيء الأساسي الذي يجب إثباته هو أن التضامن العضوي، يجب أن يكرس الفرد من خلاله مساحة أكبر للمناورة في المجتمع وتنمية شخصيته، لايزال من الضروري كما يذكرنا فرانسوا فيلو François Fillonالتأكيد على أن الفردانية التي تطلبها المجتمعات الحديثة لا تعني باي حال من الأحوال أسبقية معرفية أو أخلاقية أو نفسية للفرد، إنها ليست مسألة تحديد قانون الروابط الاجتماعية من غايات فردية، ولا تتعلق باستنباط بعض الأخلاقيات من الفرد على طريقة كانط، ولا تتعلق بالخلط بين الأنانية والشخصية، بل يجب تعلم الارتباط بالأخرين واحترامهم والاعتراف بهم كرموز للمجموعة التي ينتمي اليها الفرد.

التفكير التضامني
يعرف علماء الاجتماع أن الحياة في المجتمع تضع كل إنسان منذ ولادته، في علاقة من الترابط مع الأخرين، أو بتعبير آخر فإن الفرد يعيش نوع من التضامن في مختلف مراحل تنشئته الاجتماعية. فالإنسان يرتبط مع الأخرين والمجتمع ليس فقط من أجل ضمان حمايته من تقلبات الحياة، ولكن أيضا لتلبية حاجياته الحيوية للاعتراف.
إن التضامن يؤكد نفسه على أنه “ضامن” لعيش الأفراد داخل جماعة معينة، وذلك من خلال الروابط والعلاقات التي ينسجها الأفراد فيما بينهم. يشكل الأفراد داخل المجتمع مجموعة من الروابط من أجل ضمان ما يمكن تسميته “الحماية الاجتماعية” فإذا كانت الحماية في المجتمعات الغربية تقوم بها المؤسسات الرسمية للدولة، فإن الحماية في المجتمعات الإفريقية وعلى وجه التحديد تقوم بها الأسرة وذلك من خلال قوة الرابط الاجتماعي.
يمكن الحديث عن التفكير التضامني بناءً على العلاقة التي تجمع الأفراد بالدولة، والعلاقة التي تجمع الأفراد فيما بينهم، فالأولى – علاقة الأفراد بالدولة- يمكن التساؤل من خلالها عن الكيفية التي تساهم من خلالها الدولة في تسوية وضعية القضايا الاجتماعية المرتبطة بالأفراد في وضعية هشاشة، والثانية ترتبط بالكيفية التي ينتج من خلالها الأفراد علاقات تضامنية فيما بينهم. حيث يقدمون توافقات تصبح شبه مُلزمة للأفراد فيما بينهم خصوصا في المجتمعات التي يغيب فيها تضامن المأسسة.
وبالتالي فالصيغ التي يقدمها الأفراد كأشكال من التضامن والتعاون يجب أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة وهدف المجتمع البشري والظروف التي بموجبها يجب أن يستفيد كل فرد من التضامن؛ بتعبير آخر يجب معرفة السبل والطرق التي من خلالها يتم إعفاء أو مساعدة الأفراد من أجل الحصول على التضامن من طرف الأخرين، فلا يمكن أن يكون أي تضامن إلا من خلال الاستناد على بنية ثقافية تعززه وتؤكده.
إن مجموعة المعتقدات والمشاعر المشتركة بين متوسط اعضاء مجتمع واحد، تؤلف نظاما معينا له حياته الخاصة، ويمكن تسميتها بالوجدان الجمعي أو المشترك، لا ريب أن ركيزة هذا الوجدان ليس في عضو وحيد، بل هو بالتعريف منتشر في المجتمع بجملته، ولكن هذا لا يمنع أن تكون له صفاته النوعية التي تجعل منه حقيقة متميزة. فالتفكير التضامني في المجتمعات ذات التضامن الألي يكون حاضر بشكل كبير، خصوصا عندما ترتبط وضعية الفرد بالجماعة ككل. فعندما نتحدث عن عضو داخل منطقة قبلية، فإننا نتحدث بالأساس عن نسق ثقافي يدافع على أبناءه بشكل كبير، وبالتالي فكل ما يمكن أن يحتاجه الشباب، أو كل الصعوبات التي يواجهونها تكون لها حلول بديلة مرتبطة أساسا بالقبيلة التي ينتمون إليها.
يمكن الوقوف هنا عن مجموعة من الأحداث التي تبرز وتوضح أهمية التفكير التضامني في التكيف مع الوضع الذي يعيشه الشباب في منطقة زمران الشرقية، حيث كل شاب له حدثا مميزا مع بيئته.
“في كل مرة تنبغي نقلب على خدمة، ولا نخدم في شي حاجة في مراكش، متخليونيش خوتي، تقولوا ليا داكشي لخاصك نعطيوه ليك، وبقاي في الدار، حتى تلقاي شي خدمة مع الدولة، ولا شي شركة وخا أنا بغيت نضبر على راسي هما متبغيوش، تقولو ليا بلي إلى خدمت شي خدمة بلا الاجازة ديالي معندها معنا والناس في الدوار غادي اتشفاو فيا، حينت قريت ومخدمتش، على قبل هادشي عائلتي تديرو أكثر من جهدهم باش اعطيوني مصروفي باش إلى خصاتني شي حاجة نتقداها” لطيفة 26 سنة.
تبرز المشاركة في البحث مسألة أساسية ومهمة في مسار حياة الشباب القروي، خصوصا الإناث منهم، وهي التمثلات الاجتماعية حول عمل المرأة، فالمرأة بالنسبة لهم، لا يمكن أن تشتغل إلا في عمل معترف به اجتماعيا، وبالنسبة لهذه الحالة، العمل المقبول هو الاشتغال في الوظيفة بحكم توفر الشروط الموضوعية لذلك. وبالتالي فالكليات الثقافية التي يُنظر اليها على أنها استجابات متبلورة ومحددة لهذه الحقائق التي لا يمكن التخلص منها، هي المفسر للتأقلم والتكيف مع هذه الحقائق الاجتماعية- البطالة-.
تحضر أهمية القيم والمعايير الاجتماعية كثيرا عند تالكوت بارسونز والذي يرى أن البيئة الاجتماعية تحتوي على المعايير والقيم التي تحظى بالقبول العام، وعلى الأفكار الأخرى التي تؤثر في اختيارنا للأهداف والوسائل، فإنني لا أستطيع أن اخرق المعايير التي تحكم علاقتي بزملاء المهنة (مثل الدوام بالجامعة) دون أن أعاني من عقوبة النقد، واكثر المعايير عمومية ورسمية تُبسط في النظام القانوني للمجتمع. هكذا إذن يمكن القول أن المعايير والقيم الاجتماعية السائدة في الأوساط القروية تؤكد وتعزز التفكير التضامني، ويحضر بكثرة عندما يتعلق الأمر بالمرأة، فالمرأة تظل في وضعية تحتاج إلى المساعدة مهما بلغت درجتها العلمية، فإنها تتلقى المساعدة عندما تكون داخل الأسرة من طرف عائلتها وأقاربها، وتتلقى المساعدة من زوجها وعائلته عندما تصبح متزوجة. فالمرأة أو الفتاة في العالم القروي تكون أكثر عرضة لوضعية NEET ، مقارنة بالشباب الذكور، وتكون أكثر قدرة على التكيف مع وضعيتها من خلال التفكير التضامني السائد بالمنطقة.
يمكن إبراز أهمية التفكير التضامني في الأوساط القروية من خلال الوقوف على الكيفية التي يتشكل من خلالها الوعي بأهمية التفكير التضامني خصوصا عند المرأة. يبرز بيير بوردية فكرة أساسية في كتابه الهيمنة الذكورية والتي تتمحور أساسا حول التقسيم الجنسي للعمل، حيث يرى أن النساء مقصيات من عالم الأشياء الجدية ومن الشؤون العامة، وعلى نحو خاص الاقتصادية، فقد بقين محصورات زمنا طويلا في العالم المنزلي وفي النشاطات المرتبطة بإعادة الإنتاج البيولوجية والاجتماعية (الوظيفة الإنجابية) وهي نشاطات أمومية. مما يدفع المجتمع تقديم كل المساعدات اللازمة للمرأة من أجل التكيف مع مختلف الوضعيات والصعوبات التي يمكن أن تعيشها، خصوصا وأنها مقصيه من الوظيفة الإنتاجية أو على الأقل غير معترف لها بذلك.
رابط الصداقة
يهتم علماء الاجتماع بالصداقة كرابط اجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع، حيث يعمل من خلاله الأفراد على اختيار الأشخاص بكل حرية الذين يمكن أن يُعتبرون أصدقاؤهم، وذلك وفق نسق من القيم والمعايير الاجتماعية، حيث تختلف هذه المعايير والقيم من مجتمع إلى آخر كما أنها تختلف داخل المجتمع من فترة زمنية إلى أخرى. وبالتالي فاهتمام علماء الاجتماع يكون في كثير من الأحيان حول الكيفية التي يعمل من خلالها الأفراد على إنشاء روابط الصداقة والعوامل المتحكمة في ذلك.
من بين المعايير التي يتم اعتمادها في اختيار الأصدقاء العمر؛ فالسن بالنسبة للكثير يعتبر عاملا مهما في إنشاء روابط الصداقة والحفاظ عليها، حيث يتضح من خلال عدد من الدراسات من بينها دراسة مركز العلوم الاجتماعية بكاليفرونيا حول الروابط الاجتماعية والتي أكدت أن كلما زاد عمر الإنسان كلما أصبح أكثر عزلة واقل ارتباطا بالأخرين. هكذا إذن يمكن أن نستشف أن في مرحلة الشباب يكون الأفراد أكثر ارتباطا بالأخرين من خلال تعدد العلاقات والروابط التي ينسجونها مع المحيطين بهم.
بيد أن هذه العلاقات تتعرض إلى مجموعة من التحولات المرتبطة بكل فترة عمرية من الفترات التي يعيشها الإنسان؛ على سبيل المثال من العشرينات إلى الثلاثينات يتم بناء العلاقات من خلال السياقات الاجتماعية أو ما يمكن تسميته بالشبكات السياقية التي ترتبط بالدوائر الاجتماعية وتظل متشابكة بشكل وثيق، بيد أن خلال هذه المرحلة تمتزج الصداقة بالزمالة والأقارب أو بتعبير أدق تكون الصداقة امتداد للروابط السابقة. في المناطق القروية تكون العلاقات التي ينسجها الشباب القروي مقتصرة فقط على أبناء القبيلة، وبالتالي لا توجد اختيارات كثيرة للشباب من أجل عقد علاقات مختلفة بل في كثير من الأحيان تمتد علاقات القرابة في العائلة والزمالة في المدرسة إلى علاقة الصداقة.
“بالنسبة ليا الصداقة شي حاجة مهمة، ولكن فاش كنت صغير ماكونش عندي اصدقاء، بحال دب فاش خرجت ودرت، كانو علاقتي مرتبطة غير باولاد العم، كنا تنكونو مجموعين ديما، اولاد عمي تقراو معايا وهما صحابي، أي حاجة تنديروها مجموعين” احمد 24.
ما يوضحه احمد هو امتداد لفكرة ارتباط علاقة القرابة بعلاقة الصداقة، فالصداقة لا يمكنها أن تكون إلا في ظل وجود محددات سابقة تُبرزها وتُغنيها حتى تصبح الصداقة بالنسبة للأصدقاء ملزمة وتحمل معنى ودلالة. مما لا شك فيه أن الصداقة تستمد قيمتها من المدة، وكذلك من المواقف وكثافة العلاقة، بتعبير سقراط الصداقة كفضيلة؛ يبرز أرسطو أهمية الصداقة من خلال تأكيده على أن الحياة قاسية لذلك يحتاج الإنسان إلى صديق عزيز يتقاسم معه هموم الحياة وأيام المحنة. إن المعاناة التي يعيشها الشباب في العالم القروي، تستدعي بالضرورة حضور الصداقة من أجل تخفيف الآلام التي يعيشونها والإقصاء والتهميش المنتشرين في بيئتهم، أن تكون الأوساط القروية فضاءات هشة ومقصية فهذا ما لا يمكن الشك فيه، أما أن تكون فضاءات للرفاهية والتنزه فهذا ما يجبه رفضه ورده منذ البداية.
“الحاجة الوحيدة لكتخليني صابر في هاذ البلاد، هما صحابي لساهل عليهم الله، كل مرة تسولو فيا وتعيطو ليا، وبعض المرات تدورو معايا، أنا مكرهتش حتى أن نكون بحالهم خدام وساهل عليا الله، ومنحتاجش ليهم، ولكن الغالب الله، معندي مندير، الحمد لله عندي صحابي في هذا الحياة والوالدين. زهير 24 سنة.
ترتكز العلاقات الاجتماعية التي ينتجها الشباب في العالم القروي على مبدأين أساسين: مبدأ الثقة المتبادلة والمساعدة المتبادلة؛ حيث يعتبر كل شاب داخل القبيلة نفسه مدين إلى كل الأصدقاء الذين كانوا معه خلال مرحلة الطفولة، وبالتالي فحصوله على عمل أو هجرته إلى الدول الأوربية وتحسن وضعيته الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن يغير من مواقفه اتجاه الصدقات القديمة، وان فعل ذلك فلا يمكن إلا أن يكون خائنا بالنسبة لهم، المبدأ الذي يتحدث عنه مارسيل موس حول العطاء والعطاء المضاد هو نفسه ينطبق على الصداقة في العالم القروي، فإذا كانت القدرة على العطاء تعطي سلطة ومكانة للشخص في المجتمعات القديمة الذي درسها موس، فان القدرة على مساعدة الأصدقاء وتقديم يد العون لهم تجعل الفرد له مكانة متميزة بين أقرانه وداخل جماعته.
الانتماء القبلي
تؤثر القبيلة والعشيرة والعائلة الممتدة سواء إيجابا أو سلبا وبشكل صريح أو بشكل ضمني في البنى الاجتماعية في المناطق التي تشكل جزء منها. فالقبيلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جزء لا يتجزأ من المشهد الاجتماعي والسياسي الحديث، شانها شأن الجماعات العرقية واللغوية والشبكات الاجتماعية المتماسكة في الأوساط الحضرية والقروية.
إن الهوية القبلية شأنها شأن الأسس الأخرى للهوية الاجتماعية، بما في ذلك علاقات القرابة والمواطنة والهوية الوطنية، هي نتاج العقل البشري أو بتعبير آخر هي بناء اجتماعي، فالهوية القبلية خاضعة للمعايير والقوانين الاجتماعية أي المتعارف عليها اجتماعيا، فالهوية يمكن أن تختلف من مجتمع إلى آخر كما أنها يمكنها أن تختلف من جماعة إلى أخرى، فلا يمكننا أن نتحدث عن هوية واحدة وموحدة وإنما يمكن الحديث عن هويات متعددة.
يوفر مفهوم التشابهات العائلية من بين أفكار أخرى بشأن الولاءات الشخصية والجماعية بديلا لاختزال العمل السياسي، وفي مبدأ جوهري وحيد، فسكان القبائل المغربية على سبيل المثال يشرحونه عند مناقشة تصورهم عن القبيلة بطرق مختلفة بحسب الجيل الذي ينتمون إليه وبحسب وضعهم الاجتماعي.
أن النظر إلى القبيلة من زاوية وظيفية يحيل بدرجة أساسية إلى التعاون الحاصل بين كل الأعضاء المكونة للمجتمع، فالقبيلة هي نسق أو وحدة كلية تتألف من مجموعة من الوحدات المرتبطة مع بعضها البعض، والتي تسعى بشكل عام إلى إيجاد حالة من التوازن العام، من خلال الاتفاق على القيم والمعايير بين أفراد المجتمع، ويعتبر ذلك هو الهدف النهائي للنظام العام. بالتالي فما يجدونه الشباب في وضعية NEET من مساندة ودعم مادي ومعنوي من طرف كل المحيطون بهم، لا يمكن فهمه وتفسيره وتأويله إلا من خلال الوقوف على الانتماء القبلي بدرجة أولى من أجل فك رموز ودلالات فعل التضامن القبلي.
روح الجماعة مظهر من مظاهر الانتماء القبلي
تثبت روح الجماعات قلة تأثير القوانين والنظم في طبيعة الجماعات المندفعة، ودرجة عجزها على أن تكون حائزة لأي رأي غير ما تُلقنه. المنطق الذي تشتغل به الجماعة يجعل من كل الأعضاء المكونين لها يؤمنون بنفس العقيدة ويتبعون نفس المذهب، أن المنطق القبلي يقوم بالأساس على التعاون والتضامن مما يساهم في كثير من الأحيان على تقبل الأوضاع المختلفة للشباب.” لا يمكنني التخلي على إبني، مهما كلف الأمر، فهو جزء مني، سأظل أسانده إلى أن يجد نصيبه (أب محمد)”بمعنى أن عدم الرضا مُعلن ومصرح به، إلا أن في دلالته لا يمكن الإقرار بوجوده أو على الأقل لا يمكن الجزم فيه، خصوصا وان هناك تمثلات ثقافية قبلية تعتبر أن الشاب الذي لم يستطيع الحصول على عمل اقل شأن مقارنة بأقرانه وبالتالي ففكرة ” البطالة عن الاختيار” مرفوضة، وهذا يدفع الشباب إلى البحث عن حلول أخرى لجعل وضعيتهم أكثر تلاؤم مع المعايير الثقافية السائدة، من بينها التبرير على أن ما يعيشونه خارج عن إرادتهم ولا دخل لهم في ذلك، كما هو الحال للشخص المريض؛ فالمرض يضع المريض على الهامش، لأنه لا يمكن القيام بوظائفه العادية، ولا يستجيب لما ينتظره من المجتمع. الأمر ذاته ينطبق على الشباب في وضعية NEET في العالم القروي، أن البطالة تجعلهم خارج النسق الاقتصادي متأقلمين مع الدور الذي يلعبونه في الجماعة في ظل وجود مبررات تشرعن وضعيتهم وتجعلهم غير موصومين من طرف الجماعة الذي ينتمون اليها.
المصير المشترك: ألية من أليات التكيف
يقول هوارد بيكر أن المجموعات المنحرفة المنظمة تشترك في شيء واحد وهو الشعور بالمصير المشترك، من خلال مواجهة نفس المشكلات، العراقيل، التحديات والصعوبات، وكذلك من خلال تبني نفس وجهات النظر، وتبني نفسي الأهداف والقيام بنفس الأنشطة الروتينية. إن الشعور بالمصير المشترك التي يبرزه صاحب كتاب المنحرفون عند المجموعات المنحلفة لا يختلف كثيرا عن الشعور بالمصير بالنسبة للشباب خارج العمل والتدريب والتعليم في العالم القروي، فالدافع الأساسي الذي يجعل الشباب يرغبون في تحقيق التغيير هو تحقيق ذواتهم مقارنة بأقرانهم، بيد أن هذه الرغبة في التغيير يمكنها أن تصبح اقل حضورا في حالة وجود ما يمكن تسميته بالمصير المشترك لعدد كبير من الشباب داخل الجماعة الواحدة” في الحقيقة ماشي غير بوحدي، أنا مزال قريت شويا وتنقلب على راسي كاينين دراري مقراوش ومعارفين مساكن والو”
الواقع المشترك والمصير المشترك بين الشباب يجعلهم أكثر تقبلا لواقعهم واكثر تصالحا معه، إن مظاهر اليأس والهشاشة والإقصاء تصبح اقل ضهورا في الأوساط الهشة واكثر حضورا في الأوساط الحضارية التي تعرف تفاوتات طبقية واضحة. ولعل هذا الإقصاء ما يسميه أجامين بالحياة العارية أو “المواطنة العارية” حيث يصبح الشباب غير مرأيين تقريبا في نظر القانون ومجردون من كثير من الحقوق والامتيازات العادية. يعيش الشباب في العالم القروي نوع من اللاتكافئ في الفرص سواء تعلق الأمر بجودة الحياة أو في إمكانية الوصول إلى المرافق العمومية الضرورية لتطوير مهارتهم وقدراتهم من أجل تسهيل سبل وصولهم إلى سوق الشغل.
الرابط الديني
إن محاولة التكلم من دون استعمال أي لغة معينة ليست أكثر فشلا من محاولة اعتناق دين ليس هو بدين معين معروف على وجه الخصوص…وهكذا فإن لكل دين حي خاصية مميزة. وتتكون قوته في رسالته الخاصة والمدهشة ومن الانحياز الذي ينفحه ذلك الوعي في الحياة. إن الأفاق التي يفتحها الدين والأسرار التي يبشر بها هي بمثابة عالم آخر يعيش فيه المرء؛ والعالم الآخر الذي يعيش فيه- سواء كنا نتوقع أن ننغمس فيه كليا أو لا- هو ما نعنيه عندما نذكر اعتناق دين.
يشكل الرابط الديني عاملا أساسيا ومهما في الحياة الاجتماعية بشكل عام، فلا يمكن النظر إلى الدين من خلال علاقة ثنائية تجمع بين الذات الإلهية والأخر، بل أكثر من ذلك فالسلوك الديني يتجاوز ذلك إلى الكيفية التي يمكن من خلالها أن يدبر الأشخاص حياتهم ويوجهونها. فالدين حسب كليفورد غيرتز هو نظام من الرموز، وعندما نتحدث عن الرموز فإننا نتحدث بالأساس عن ارتباط الدين بالأنماط الثقافية، فكل دين تؤطره رموز ترتبط أساسا بالخلفية الثقافية التي ينطلق منها، وهذه الخلفيات لا تمت للجانب الفيزيقي للإنسان بصلة. فالعقيدة الإسلامية لها رموزها ولها مقدساتها ترتبط بالثقافة الإسلامية وخلفيتها، والأمر ذاته ينطبق على باقي الأديان. فالدين يعمل على خلق حالات نفسية وحوافز قوية وشاملة ودائمة في الناس عن طريق صياغة مفهومات عن نظام عام للوجود وإضفاء هالة من الواقعية على هذه المفهومات بحيث تبدو هذه الحالات النفسية والحوافز واقعية بشكل فريد.
إن الإحساس بالذنب حيال التقصير في الواجبات والعار أمام الناس عندما يجري الاعتراف العلني هي المشاعر نفسها التي تشكل خلفية الإحساس بالواجب الأخلاقي الذي يصون مجتمعه الذي يعي أهمية الملكية: أن الحصول على المغفرة يتضمن تشكيلا للضمير. هكذا إذن يمكن القول أن الدين يوجه أفعال الأفراد ويؤطر مشاعرهم ويقدم لهم مجموعة من الأدوات التي يمكن من خلالها تفسير وتأويل مختلف الأنشطة الذي يقومون بها. فالدين لا يمكن أن يكون مجردا، فهو يهدف بشكل كبير إلى تقديم إجابات واقعية لكل فئات المجتمع وباختلاف مستويات تدينهم، وبما أن الشباب يجدون انفسهم في أحيان كثيرة أمام صعوبات وعراقيل متعددة، فلا يمكن إغفال الرابط الديني في عملية توجيه وتأطير مشاعر الشباب الذي يعيش نوع من الإقصاء الاجتماعي.
المكتوب
تتكون نظرة المغاربة إلى الكون حسب أيكلمان من خمسة مفاهيم أساسية هي: المكتوب –العقل-الحشومية-الحق والعار، وتحمل هذه المفاهيم في طيها دلالات منطقية يُناسب بعضها البعض، فهي أشبه ما يكون بقطعة البازل التي تختلف القطع المكونة لها في الشكل، لكنها تنسجم لتخلق وضعا محددا. فمفهوم المكتوب “المقدر” عند المغاربة يفسر واقع الأمور في الحاضر والمستقبل ويُضفي المشروعية على التفاوتات في توزيع المكانة الاجتماعية والجاه بين الأفراد كواقع خاضع للإرادة الإلهية، فالإنسان المؤمن بالمكتوب ليس هو فقط من يقبل بمشيئة الله، وإنما يعمل باستمرار على تكييف أعماله لتساير هذه المشيئة.
يلجأ الشباب القروي إلى الخطاب الديني واستراتيجية المكتوب من أجل تبرير وتفسير واقعهم الاجتماعي، فكل ما يمكنهم فعله هو ما يريده الله، ولا يمكنهم مخالفة مشيئته وقدرته على تحسين وضعهم أو تدنيه “هادشي لكتب علينا الله، ما عندنا ما نديرو من غير نرضاو بالمكتوب”نورالدين 27 سنة. استراتيجية المكتوب تجعل الشباب في وضعية ضعف مقارنة بقدرة “الله” على تغيير الوضع الذي يعيشنه، وبالتالي لا يمكن لأي شخص أن يصمهم بأي وصم في ظل أن الأمر “مكتاب” فإذا تم ذلك فيمكن أن يتهم الشخص الذي أراد أن يشكك في المكتوب ب”الشرك” وبالتالي فالمعتقد الديني يتم استغلاله بطرق مختلفة من طرف الشباب والاستناد عليه من أجل تبرير وضعهم، وكذلك من أجل إقناع انفسهم والتكيف مع مصيرهم.
العار
يحمل مفهوم العار دلالة معنوية، فالعار يرمي به على شخص أو جماعة من الأشخاص من أجل الاستجابة إلى طلب معين، يميز أيكلمان بين نوعين من العار: العار الكبير الذ يستعمل في فض النزاعات بين القبائل والجماعات الكبيرة، والذي اختفى من الوجود بعد إحكام السيطرة الفرنسية على المغرب، والعار الصغير الذي يقتصر استعماله على الأفراد الذين يلجؤون إليه عندما يرون ذلك ضروريا وهو مازال قائما ومستمرا في الوجود، ويعتبر إكلمان العار حالة قصوى من علاقات الحق التي يتم اللجوء اليها عندما تفشل الأساليب المتضمنة داخل هذا الصنف منن العلاقات، فهو لا يُستعمل إلا في حالة إصلاح ما انقطع من علاقات أو إجبار أحد الأفراد على تلبية طلب معين.
من بين الدوافع التي تجعل الأسر تقدم المساعدات إلى أبناءها هي الخوف من العار، الذي يمكن أن يلحقهم من طرف أبناءهم أو الجماعة الذي ينتمون اليها، فالشباب العاطل يعتبر جزء من القبيلة وجزء من الأسرة وبالتالي فكل ما يمكن أن يلاحقه من عار يمكن أن يلحق الأسرة والقبيلة معا، وبالتالي فقوة التضامن والتآزر ترتبط بالأساس بالخوف من العار” ولدي مرضي الوالدين، ومنقدرش نخليه، غادي نحس بالعار إلى معاونتوش” سعيد 27 سنة. ترتبط استراتيجية العار كذلك بالتاريخ الأسري، حيث أن الآباء يعاملون أبناؤهم بالطريقة التي كان يعاملهم آباؤهم، وهذا النوع من العطاء والعطاء المضاد يقوم بالأساس على فكرة العار.
يعتبر الوالدان أقرب الأقارب وأصحاب الفضل وأولياء النعمة، ويُعد رضاهم من رضا الله وأحد الشروط الضرورية لتحقيق أي نجاح، فالأبناء يدينون بالضرورة لوالديهم بالمساعدة المادية والمعنوية بالإضافة إلى الاحترام والتوقير داخل البيت وخارجه، وبالأخص تجاه الأب الذي يعتبر استمرار سلطته على أولاده يظل قائما حتى بعد استقلالهم. فالعلاقة التي تجمع بين الآباء والأبناء لا تتوقف عند حدود معينة بالنسبة للمجتمعات البسيطة وإنما تعرف من الامتداد إلى مراحل حياتية أخرى، وبالتالي فاستراتيجية العار تظل حاضرة في مختلف الأجيال.
– الصلاة
يعرف مارسيل موس الصلاة من خلال أربع عناصر أساسية وهي: في المقام الأول فعل … ينطوي دائما على جهد وعلى صرف طاقة جسدية ومعنوية في سبيل أحداث مفاعيل مُعينة… اضف إلى ذلك أنها فعل تقليدي بوصفها جزءا من طقس … كما أنها تتسم أيضا بفعالية كامنة فيه.. لأنها هي التي تحث الاله على التدخل في اتجاه معين…وأخيرا فان فعاليتها هي نفسها فعالية الطقوس الدينية، لأنها تتوجه إلى قوى دينية. تشكل الصلاة صلة بين الله والعباد وتعتبر مؤشر من مؤشرات الإيمان في مختلف الأديان. تؤكد الأديان عادة على أهمية الطقوس الدينية في الحياة اليومية للإنسان مما يدفع الكثيرون إلى التشبث بالعبادات والعقائد باختلافها وتعددها، بتعبير أدق نحن نؤمن بكل ما نستطيع الإيمان به، ولو كان باستطاعتنا لامنا بكل شيء، ويبدو أن الشيء الذي يمكن لنا أن نتحمله الأقل هو تهديد يوجه إلى قوى التصور لدينا. إن الإنسان يحمل رموز ودلالات عن وجوده وحياته ويحاول من خلالها ادراك غاياته من الحياة والوجود على حد سواء، فالصلاة تساهم في إعطاء هالة نفسية من الواقعية على الوضع الذي يعيشه الشباب، انهم يدركون أن القوى الغيبية وحدها من تستطيع تقديم يد العون لهم، في ظل غياب شروط موضوعية تساعدهم في ادراك قدراتهم ومهاراتهم والبحث عن سبل لتحسين ظروف عيشهم، وبالتالي فتكون الصلاة باعتبارها طقسا دينيا مقدسا في القبيلة كصلة وصل بينهم وبين الله وألية لتوضيح لكل المحيطون بهم أن ما يعيشونه من وضع ليس بسبب العلاقة المضطربة مع الذات الإلهية وإنما هو قضاء وقدر ومكتوب لا دخل لهم فيه. “الحمد لله، أنا كنصلي، صلاتي في وقتها، وعلاقتي مع الله مزيانة وهادشي كتبو علينا الله، حتى نهار ابغي ارزقنا، وسيرزقنا من حيث لا نحتسب” سميرة 24 سنة” فالصلاة والرزق سيان، أن الإكثار من الصلاة حسب المعتقدات السائدة سينتج عنه حتما زيادة في الرزق، والرزق لا يرتبط دائما بما هو مادي بل يتعداه إلى ما هو معنوي “الحمد لله، أنا مرتاحة، بلي قسم ليا الله، سميرة 24 سنة” وبالتالي فالمصير الذي يعيشه الشاب في العالم القروي المرتبط أساسا بالظروف المزرية والإقصاء والهشاشة الاجتماعية، يتم تبريره وفق منطلقات دينية من خلال سيادة الخطاب الديني والارتباط بالطقوس الدينية بشكل كبير في مثل هذه المجتمعات.
لكن هذا لا يعني أن الدين دائما ما يبرر ويدعم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأفراد، بل يمكن أن يكون داعما ومساهما في التغيير، أي أنه عامل من عوامل تحسين ظروف العيش لدى الشباب، صحيح أن كارل ماركس يبين أن العامل الديناميكي متجلّ في الصراع الاجتماعي والاقتصادي الذي يضع وجها لوجه طبقات اجتماعية متضادة، وهو ما يدخل في النسيج الاجتماعي عناصر متعارضة تنتج تحولات اقتصادية وسياسية ثورية. بمعنى أن ماركس يعتبر المعطى الديني متغيرا تابعا للمعطى الاقتصادي، وبالتالي يمكن أن نستشف أن التصور الماركسي يتماشى والطرح المطروح في هذه الدراسة، حيث يعتبر الدين بمثابة مبرر وميكانزم للدفاع عن التفاوتات الطبقية وتبريرها، فما يعيشه الشباب من إقصاء في المنطقة لا يرتبط بعجزهم وعدم كفاءتهم بالقدر الذي يرتبط بغياب فرص الحياة في المناطق النائية. ولعل هذا ما يرفضه فيبر فيعتبر الدين ساهم بشكل كبير في تطوير الاقتصاد، إن كانت خاصيات المثال النموذجي للرأسمالية، من جانب التراكم المتواصل، ومن جانب آخر، وجود الصرامة العقلانية للعمل وللمؤسسة، فإنها تنظر باستمرار إلى علاقة الوسائل-غايات- إلى علاقة الادخار –الاستثمار- الربح- إعادة استثمار. تترسخ هذه الصيغة الخاصة بالنشاط الاقتصادي العقلاني بيسر كبير، وتجد أرضيتها المناسبة للتطور في فضاءات أوروبية يسود فيها مميز منحدر من البروتستانتية الحديثة: إلا وهو الكالفنية. فالمذهب الكالفيني ساهم بشكل كبير في ظهور النظام الرأسمالي من خلال ارتباط فكرتي الادخار والاستثمار بضمان مكانة في الجنة، مما يدفع المعتقدين في هذا المذهب على تطبيق المبادئ الأساسية له، وبالتالي يمكن أن يكون للدين وقع في تحقيق التغيير الاجتماعي سواء من خلال المبادئ المؤسسة له أو من خلال توظيفه في تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية للأفراد الذين يعيشون خارج النسق.
“البريكولاج” ألية من أليات التكيف
ترتبط ثقافة البريكولاج بالشباب بشكل عام حيث يحاولون من خلال الاختيارات المحدودة المتوفرة لهم على إيجاد طريق تمكنهم من بلوغ ما يمكنهم بلوغه، في ظل وجود عوامل متعدد تحكمهم وتحكم أوضاعهم، فالبريكولاج الاقتصادي عند الشباب القروي في وضعية NEET يرتبط بالأساس بالأنشطة الاقتصادية الذي يمكنهم القيام بها داخل المجال الذي ينتمون إليه. يتميز المجال القروي بوجود مجموعة من الأنشطة الفلاحية الموسمية التي يمكن اعتبارها أنشطة مدرة للدخل لعدد كبير من الشباب، وبالتالي في مثل هذه الفترات، فإننا لا نتحدث عن شباب خارج سوق الشغل وإنما نتحدث عن شباب يشتغلون ويمارسون أنشطة اقتصادية معينة، بيد أن هذه الأنشطة تتميز بالمحدودية بالإضافة إلى أنها مؤقتة، لا تتجاوز حدود الشهر، مما ينعكس على الشباب من جهة إيجابا حيث يصبح الشباب العاطل عن العمل قادر على توفير كل ما يمكن توفير من حاجيات ضرورية وغير ضرورية، كما أن نمط العيش بالنسبة لهم وتفاصيل حياتهم اليومية تتبدل بشكل ملحوظ، ومن جهة أخرى تنعكس إيجابا لأن هذه الأنشطة تُعبر بمثابة بريكولاج مؤقت لا يقدم حلول مستدامة للشباب لوضعهم، ويفوت عليهم فرصة اثقان أنشطة أخرى أكثر استدامة وتطوير مهارتهم وقدراتهم.
لكن هذا لا يعني أن الشباب يتحملون جزء كبير من المسؤولية خلال هذه الفترة، سواء من خلال الكيفية التي يدبرون بها ما يحصلون عليه من مال، وكذلك من خلال غياب رؤى مستقبلية تحمل أفكار تأسيس مشاريع تدر لهم دخلا، قد يتساءل سائل: كيف للفقراء الشباب أن يدخروا، فهم لا يملكون مالا؟ ولكنه تساؤل غير معقول سوى في مستواه السطحي: فالفقراء الشباب ينبغي لهم أن يدخروا لانهم مثل الجميع: لديهم حاضر وينتظرهم مستقبل. فما يمكن للشباب فعله بالمال الذي يمكن الحصول عليه هو القيام بمشاريع صغيرة داخل المجال الذي ينتمون إليه “كل مرة تنقول لولدي، ربي غير الدجاج وقنية وبيعهم في السوق، حتى دير شوية ديال راسمال وسير فين بغيتي تمشي ومتسمعش” أب نورالدين” فثقافة الاستثمار عند الاباء حاضرة، بيد أن الشباب لا يحبدون هذه الفكرة خصوصا وانهم يربطون بمهام أنثوية، فحسب الثقافة القروية تربية الدواجن والارانب خاصة بالنساء، وبالتالي لا يمكنهم القيام بها، في حين أن تربية الأغنام والأبقار خاصة بالرجال إلا انهم لا يملكون ما يكفي من المال ليكون لهم نصيب من ذلك، وبالتالي تصبح الثقافة السائدة هي الأخرى تؤثر على الخيارات المتاحة للشباب من أجل إيجاد حل واقعي لمصيرهم.
بل حتى الاستراتيجيات التي يتم تبنيها من طرف المؤسسات الحكومية لا تقدم أفكار مشاريع للاستثمار في العالم القروي بالنسبة للشباب بالقدر التي تعمل على توفير ما يمكن تسميته؛ الحاجيات الضرورية التي يجب توفرها في الوسط القروي: الماء-الكهرباء-الطرق. وبالتالي فلا يمكن اعتبار هذه العناصر مرتبطة بالتنمية في الوسط القروي، بل هي من بين العناصر الذي يجب أن تتوفر منذ زمن طويل. لكن وفي ذات السياق الشباب في العالم القروي لا يدركون ذلك، ولا يشتغلون من أجل الانتقال من مجال فقير من حيث البنيات والمرافق إلى مجال غني من حيث البنيات والمرافق، ولا يدركون أن التغيير يرتبط بوجود مشروع شخصي لكل شاب يمكن من خلاله تحقيق التغيير المنشود.
التضامن المتبادل
إن الفقراء الذين يقطنون بالقرى أو الضواحي تتكون لديهم شبكة واسعة من الأشخاص الذين يعرفونهم حق المعرفة، سواء كان ذلك على أساس الأسر الممتدة أو الطوائف الدينية او العرقية. حيث توفر هذه الشبكات التقليدية نوع من امتصاص الصدمات المختلفة التي يمكن أن تواجههم وتوفر لهم الأمان. في المناطق القروية تخصص الأسر نسبة 20% من دخلها لأبنائها من أجل مساعدتهم، حيث تبين من خلال البحث الميداني أن جميع الذكور يتلقون مساعدات مادية من محيطهم بشكل منتظم، من أجل تلبية حاجياتهم، وتتراوح المبالغ المالية الذي يحصلون عليها في اليوم بين 10 دراهم و40 درهم، حسب الدخل الأسري لكل واحد، ولا يقتصر الدعم من طرف الآباء بطريقة مباشرة بل يمكن أن يمتد إلى الأعمام والأجداد على حد سواء. بالإضافة إلى ذلك فيمكن أن يتلقى الشباب دعم من طرف أعيان القبيلة كشكل من أشكال التضامن والمؤازرة خصوصا خلال المناسبات. كما يمكن أن يكون نوع آخر من التعاون بين الأسر وهو مد يد العون للأسر الفقيرة في فترة معنية، شريطة أن تقوم بنفس الفعل في أوقات الشدة والضيق.
إن حقيقة أن الناس ربما يساعد بعضهم بعضا وقت الشدة انطلاقا من إحساسهم بالالتزام الأخلاقي، بدلا من أن تكون ذلك نابعا من كونهم ينتظرون بالضرورة أن تُرد لهم هذه المساعدة مستقبلا، إن الواقع الاجتماعي يفرض على الشباب الانخراط في شبكات اجتماعية تعتبر بمثابة رابط امني يحميهم من كل التقلبات التي يمكن أن تعترضهم في طريقهم.
“نحن في القبيلة، نؤمن بالتضامن والتعاون، ولا يمكننا أن نتخلى على أي شخص يمر من فترة صعبة أو ضائقة مادية أو معنوية، إننا قبيلة واحدة وأسرة واحدة، نتشارك نفس المصير ونفس الهم، وأبناؤنا الذين لم يشغلوا بعد نقف معهم ونؤازرهم وندعو لهم، ونطلب من الله أن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، وأبناؤنا الذين يشتغلون فهم فخر لنا ونطلب من الله أن يوفقهم، فنحن نكون سعداء أكثر عندما يحصل شاب من شبابنا على وظيفة، إنه يدفعنا أكثر ويحفزنا أكثر إلى مواكبة أبنائنا إلى بلوغ نفس الهدف” أب عثمان” إن الخطاب الذي يركز عليه سكان الوسط القروي، هو خطاب تضامني يعكس بحق الخصائص التي تحدث عنها دوركايم في كتابه في تقسيم العمل الاجتماعي، والتي تفيد أن الجماعات ذات التضامن الألي، هي جماعات متشابهة متضامنة تحكمها الأعراف والتقاليد والقيم السائدة أكثر من القانون. وهذا الخطاب يمكن تأويله بناء بعدان أساسيان:
“النحن”
يرتبط الأفراد ببعضهم البعض من خلال سلاسل من التبعية المتبادلة التي تنطبق على التكوينات الاجتماعية المختلفة، سواء تعلق الأمر بالفصول الدراسية أو المجموعات العلاجية وكذلك المقهى وروض الأطفال والحدائق والمراكز وغيرها. فرابط” النحن” لا يمكنه أن يوجد إلا من خلال وجود علاقات ترابطية وفق سياق تاريخي واجتماعي واضح.
يصر نوربرت إلياس على تعددية الروابط الاجتماعية التي يسميها أيضا مستويات الاندماج” في الحالة الراهنة لهياكل المجتمع البشري”، يظهر تعبير «نحن” وبشكل اعم، العادات الاجتماعية للأفراد، على عدة مستويات قد تثبث فكرة العلاقة بين الذات و”النحن”، إنها أداة أكثر إثمارا للمراقبة والاستدلال إذا أخذنا هذا التعدد الطبقي بعين الاعتبار، إنه يتوافق بشكل أفضل مع تعددية مستويات التكامل التي تميز المجتمع البشري في مرحلته الحالية من التطور، في الواقع، نقوم بالاختيار من بين الإشارات إلى “نحن” عندما نقول إن الأفراد يعينون أسرهم أو دائرة أصدقائهم والقرى والمدن التي يسكنونها. المجموعات الوطنية التي هي جزء منها أو تشكيلات ما بعد القومية بين عدة دول من نفس القارة، وأخيرا الإنسانية ككل، وبالتالي فالالتزام الذي يتم التعبير عنه باستخدام الضمير “نحن” يكون بشكل عام اقوى عندما يتعلق الأمر بالعائلة.
الاعتراف
يُغطي الاعتراف بالطبع نشاطات لا تُحصى، وهي أكثر الوجوه تنوعا، فالاعتراف يمكنه أن يكون ماديا أو غير مادي، فيه من الغنى أو من الشرف، متطلبا أو غير متطلب لممارسة السلطة على الأشخاص الأخرين، ويمكن للتطلع نحو الاعتراف أن يكون واعيا أو غير واع، ويستخدم أليات عقلانية أو غير عقلانية…الاعتراف يصل إلى كل مناطق وجودنا، ولا تستطيع أشكالها المختلفة أن يعوض بعضها البعض الآخر، إنها لتتوصل في احسن الأحوال إلى حمل بعض العزاء في المقام الأخير، فأنا بحاجة إلى أن يُعترف بي في المجال مهني، كما أنا بحاجة إلى أن يُعترف بي في علاقاتي الشخصية وفي الحب وفي الصداقة.
إن الشباب بدون عمل أو تدريب أو تعليم، يبحثون عن الاعتراف داخل أسرهم، وأسرهم يبحثون عن نفس الأمر في أبنائهم، فالشاب يرغب أن يكون معترفا به من طرف أسرته وأصدقائه، لكن الاعتراف يظل غير كامل بالنسبة لهم، في ظل غياب عمل يستمدون منه هو الآخر حاجتهم إلى الاعتراف، لكن الجماعة الذي ينتمون إليه تحصل على الاعتراف العكسي من طرف الشباب، فالشباب بدون عمل أو تدريب أو تعليم يعترفون أن أسرهم والجماعة التي ينتمون اليها يقدمون لهم المساعدة، بشكل مستمر أو متقطع.
لكن يجب أن ندرك كذلك أن هذا الاعتراف يمكن أن يكون مشروطا بمدة زمنية محددة، على اعتبار أن كلما ارتفعت المدة الزمنية في هذه الوضعية كلما أصبح الشباب يتعرضون إلى الإقصاء والتهميش الغير مباشرين. ” في الحقيقة، تعامل الأصدقاء والاسرة ديالي فيه تغيير، خصوصا وأنني، فاش كنت تنقرا، تنلقى اهتمام كبير من طرف الأصدقاء والاسرة، لكن من بعد ما خذيت الاجازة ودفعت لبزاف ديال المباريات ومنجحتش، حسيت بلي الأسرة والاصدقاء مبقاوش تهتمو بيا، وتقولو لي كون غير تزوجتي احسن لك” لطيفة 24 سنة.” التضامن الأسري لا يمكن اعتباره تضامنا تابثا وإنما تضامنا متغيرا يتغير بتغير السياقات الاجتماعية والتاريخية والثقافية كذلك، فيمكن للشباب في فترة زمنية معينة أن يجدون دعما اسريا من الأقارب والأباعد كذلك، لكن سرعان ما يضمحل هذا التضامن ليجد الشاب نفسه وحيدا يواجه وضعه.
هكذا إذن يمكن أن نستشف أن التضامن المتبادل ليس بالمعطى البسيط، سواء كان بين الجماعات أو الأسر أو بين أفراد الأسرة الواحدة، فالتضامن كقيمة اجتماعية يبقى دائما خاضعا للمنطق العقلي، أو بتعبير مارسيل موس العطاء والعطاء المضاد، فكل ما يمكن تقديمه يبقى رهين بما يمكن الاستفادة منه، لذلك فكل ما يمكن أن يتلقاه الشاب من دعم وتضامن وتأزر يمكن أن يَنتج عنه مجموعة من التوقعات والانتظارات الأخرى سواء من طرف أسرته أو أصدقاءه وكذلك الجماعة الذي ينتمي إليها.
خلاصة
إن الرابط الاجتماعي الذي يكونه الشباب في الوسط القروي، بالإضافة إلى الخلفية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية التي يعرفها المجال القروي، كلها عوامل تساهم بأشكال متفاوتة في جعل درجة المعاناة التي يعشها الشباب القروي بدون تكوين أو تعليم أو عمل اقل ظهورا، فلا يمكن إغفال أهمية التضامن في تقبل الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشباب مهما كانت ظروفهم ومسارتهم، فيظل الرابط الاجتماعية بمثابة حماية اجتماعية لهم، وذلك من خلال مختلف الاجتماعية التي يمكن أن يتخذها.
تعتبر الأسرة المصدر الأول للأمان بالنسبة لهذه الفئة من الشباب حيث توفر لهم السكن وما يلزمهم من ضروريات للعيش بالإضافة إلى الدعم المعنوي، فهذا الدعم يساهم بشكل مهم في تقبل الوضع ومحاولة التغلب على كل ما يمكن الشعور به من إقصاء وتهميش، فالشباب القروي لا يمكن الحكم عليهم بناء على أحلام الشباب الذين يعيشون في الوسط الحضري، ولا يمكن توجيه مسار حياتهم اتجاه مسار واحدهم، إن الشباب القروي واع إلى حد كبير بما يعيشه، إلا انهم يعتبرون أن منطقة الأمان هي التي يعيشونها فيها واي محاولة للخروج منها قد تزيد من معاناتهم وقد تعرضهم إلى التشرد وغيرها من المشاكل التي يمكن أن يعانون منها بعيدا عن أسرهم.
فعلاقات الصداقة بالمعنى الارسطي تعتبر مهمة لأنها تحمل غاية نبيلة والمتمثلة أساسا في تواجد أشخاص لا ينتمون إلى الرابط الدموي بجانب الشباب الذي يعيشون مرحلة حياتية استثنائية، إنهم يقدمون السند والدعم المعنوي اللازمين للشباب، فرابط الصداقة ضروري لمن يعيشون في خارج النسق الاقتصادي أو المقصيون، فالصديق يغطي الكثير من الجوانب المظلمة بالنسبة لشخص يعتبر نفسه غير قادر على فعل أي شيء، بل أن الصديق مهما كان وضعه وحالته يظل مكسب لصديقه، إن الأصدقاء يتشاركون الهم نفسه، والواقع نفسه بالإضافة إلى الحياة نفسها.
أما القبيلة فهي الحماية الاجتماعية في البلدان التي لا توجد فيها مساعدة اجتماعية للشباب العاطلين عن العمل، إن القبيلة بأعرافها وأعضائها وتاريخها تساهم بشكل كبير في التصدي إلى كل المشاكل والمخاطر الذي يمكن أن تواجها الجماعات التي تنتمي إليها، إن ثقافة القبيلة هي ثقافة قائمة بالأساس على التعاون والتضامن ولا يمكن أن يتعرض أي شخص إلى الإقصاء من الداخل في ظل وجود الثقافة القبلية، يمكن للدولة بمعناها الحديث أن تعرض الشباب إلى التهميش والإقصاء لكن القبيلة ببنياتها وقوانينها فغنها دائما ما تحرص على دعم أعضائها، قد تختلف أشكال الدعم من شاب إلى آخر ومن حالة إلى أخرى إلا أنها تظل حاضرة وبشكل كبير في الأوساط القروية.
أما الرابط الدين فهو يساعد الشباب في عدة مستويات ولعل أهمها المستوى الروحي من خلال القيام بمجموعة من الطقوس التي تساعد الشباب على النظر إلى واقعهم من زاوية تفاؤلية أي انهم يمكن تحسين ما يمكن تحسينه في ظل وجود خطاب يرتكز على قيم الصبر والعمل والالتزام الأخلاقي اتجاه الذات الإلهية واتجاه الأخر.
مما لا شك فيه، أن الخطاب الديني يتم تأويله وفق مسارات مختلفة، حيث هناك من الشباب من يعتقد أن ما يعيشه فهو مرتبط بالمكتوب بدرجة أولى أي أنه لا يمكنه أن يعترض قضاء الله وقدره في حالته ووضعيته، وهناك من يعتبر أن ما يعيشه من فشل وعدم القدرة على تحقيق أي شيء في حياته رهين بالأساس بالعين والسحر، حيث يظل يتخبط في البحث عن تبريرات غيبية لكل شيء قد يجده في طريقه، وهناك من يعتبر أن العامل الديني لا علاقة له بما يعيشه وإنما النظام الاقتصادي والوسط الذي يعيشونه فيه لا يوفر لهم اختيارات متعددة حتى يتسنى لهم تحقيق أهدافهم أو على الأقل على الحصول على فرصة عمل.
أما بالنسبة للتعاون المتبادل بين الأفراد فهو كذلك من بين العوامل المهمة التي يمكن اعتبارها مفسرة للتكيف والتقبل للوضع الذي يعيشه الشباب وأسرهم على حد سواء، إن الشعور بروح الجماعة والانتماء يجعل الأفراد أكثر حرية واقل خوفا من الصعوبات التي يمكن أن تواجههم في الحياة، فالقيم الجماعية دائما ما يشعر أعضاء الجماعة بالأمان، في حين أن القيم الفردانية تجعل الفرد في مواجهة مباشرة مع مصيره.
