رحيل الدكتور محمد الحبابي… المغرب يخسر أحد أبرز زعماء الإقتصاد الوطني بعد الإستعمار
زهرة حيضر
الفقيد محمد الحبابي قامة وطنية بارزة
بوفاته يطوي المغرب صفحة ناصعة من تاريخه، رجل هندس إلى جانب الزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد المعمار الاقتصادي المغربي على أسس التحرر والسيادة والتخلص من الهيمنة الاستعمارية، وهو معمار لايزال إلى الآن يشكل البنية الأساس للاقتصاد الوطني رغم ما وقع من نكسات وانزياح عن الرؤية التي تمثلها عبد الرحيم بوعبيد وزير الاقتصاد في 1960 ورئيس ديوانه محمد الحبابي ومعه رفيقه المناضل أبراهام السرفاتي ، .
كان من عناوين هذا المعمار تعزيز الاستقلال السياسي بداية من تحرير العملة الوطنية من هيمنةالفرنك الفرنسي، إلى بناء المؤسسات العمومية الكبرى ، ودمقرطة الحياة السياسية ، وإدماج الشباب في عملية التنمية والديموقراطية.
لقد تحسس الحبابي مبكرا الإشكاليات المرتبطة بنمو الشباب واتساع قاعدته وضرورة وضعه في عربة قيادة صنع القرار الوطني لتعزيز دينامية التغيير والتحرر وهيكلة السلطة خارج التحكم والحكم المطلق ، ومن يعود إلى كتابه النبوئي” مستقبل شبيبتنا المغربية في أفق الثمانينات ”
سيكتشف بعد النظر الاستراتيجي الذي كان للحبابي، وربما الكثير من الأسئلة التي طرحها مبكرا على هذا الصعيد مازالت قائمة إلى الآن وتستدعي أجوبة عاجلة تفاديا لكل المخاطر التي نبهنا إليها الحبابي ، والتي تفاقمت وتعقدت وأوصلتنا في كثير من الأحيان إلى حافة الهاوية.
كان من حظي أني عرفته عن قرب في سجن لعلو مع عبد الرحيم بوعبيد بعد اعتقالهما شتنبر 1981 مع أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي الآخرين محمد منصور والحبيب الفرقاني ومحمد اليازغي ، إثر إعلان معارضتهم لقرار الملك الراحل الحسن الثاني بقبول الاستفتاء في قضية الصحراء بالمؤتمر الإفريقي في نيروبي..
وكان من حظي أيضا أن أرى زنزانة عبد الرحيم بوعبيد يلتقي فيها محمد الحبابي وأبراهام السرفاتي المحكوم عليه بالمؤبد وقتها و الذي أصر أن ينتقل من السجن المركزي بالقنيطرة إلى سجن لعلو ليلتقي برفيقيه في النضال والحلم الوطني.
كان الموقف مؤثرا وغنيا بالرمزية والدلالات، رجال ثلاثة لم يسرقهم وهج السلطة ،اختاروا أن يتركوا الوزارة وراء ظهورهم ويسيروا على الدرب الشائك بجانب الجماهير ومعهم ومن أجلهم ، حتى ولو كان هذا الدرب ينتهي في الزنازين الباردة والمعتمة.
قليل جدا من يتخلى عن مخمل كراسي الوزارة ومغانمها ليفترش بلاط السجون العاري، تمسكا بالمبادئ النبيلة وانحيازا للشعب.
لقد رأيتهم بنفس حماس الشباب الذي كانوا عليه في زمن الاستعمار يتجادلون ويختلفون ويتفقون ولما يأخذهم التعب ،يتمددون للنوم على الأرض العارية متوسدين أحذيتهم ، وفي عيونهم يتقد الأمل.
رجال لا يعوضون..
قَضَوْا وما بدَّلوا تبْديلا
