صادق البرلمان الفرنسي يوم الأربعاء، الموافق 4 ديسمبر 2024، على مذكرة حجب الثقة المقترحة ضد حكومة ميشال بارنييه. المبادرة قدمت من قبل تحالف “الجبهة الشعبية الجديدة” الذي يمثل اليسار الفرنسي. بهذا التصويت التاريخي، أصبحت حكومة بارنييه أول حكومة فرنسية تُجبر على التنحي بفعل تصويت على حجب الثقة منذ عام 1962.
عملية التصويت شهدت اتحادًا نادرًا بين نواب اليمين المتطرف واليسار، حيث تمكنوا من جمع أغلبية ساحقة وصلت إلى 331 صوتًا من أصل 574 نائبًا، متجاوزين بفارق ملحوظ العدد المطلوب لإسقاط الحكومة. ورغم قصر مدة ولاية بارنييه كرئيس للوزراء – حوالي ثلاثة أشهر فقط – إلا أن حكومته واجهت منذ البداية صعوبات جمّة، وصولًا إلى هذه النهاية التي تُدخل فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، في أزمة سياسية معقدة تهدد قدرتها على التشريع وإدارة العجز الهائل في ميزانيتها.
تصويت حجب الثقة جاء بعد أيام فقط من اقتراح رسمي قدمه تحالف القوى اليسارية في الجمعية الوطنية يوم الاثنين الماضي، اعتراضًا على الميزانية التي وصفت بالتقشفية وأثارت جدلًا واسعًا في أوساط المعارضة. ويعود هذا الخلاف إلى انعدام الأغلبية المطلقة التي كانت تحتاجها حكومة بارنييه داخل الجمعية. وعلى الرغم من البداية التي اعتمد فيها بارنييه على دعم القوميين اليمينيين بقيادة مارين لوبان، إلا أن التوترات تصاعدت بشكل سريع. حيث أعلن هؤلاء، رغم التنازلات المتكررة من جانب الحكومة، عن نيتهم سحب دعمهم. في خطوة مفاجئة، أكدت لوبان حينها أن حزبها سيدعم مبادرة الائتلاف اليساري في حجب الثقة، بل وذهبت إلى إطلاق مذكرة مستقلة بنفسها ضد الحكومة.
الإطاحة بحكومة بارنييه تفتح الباب على مفاوضات شاقة لتشكيل حكومة جديدة، وسط استحالة إجراء انتخابات برلمانية قبل حلول الصيف المقبل. هذه العراقيل تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الساحة السياسية الفرنسية المتأزمة.
وفيما سبق التصويت، لجأ بارنييه إلى استخدام صلاحياته التنفيذية لتمرير ميزانية الضمان الاجتماعي دون تصويت الجمعية الوطنية، وهو ما زاد الأمور تأزمًا. ورغم محاولاته تقديم تنازلات ملموسة – من ضمنها التراجع عن خطة تقليص تعويضات الأدوية وتعديل زيادات ضريبة الكهرباء لتكون أقل حدة – إلا أن تلك الخطوات لم تكن كافية لتهدئة المعارضة أو الحفاظ على تحالفاته داخل البرلمان.
بعد ظهر يوم الاثنين الماضي، عزز بارنييه التوترات بإعلانه استخدام سلطاته التنفيذية لفرض تمرير الميزانية بدلًا من تقديم تنازلات إضافية. هذا القرار جاء بمثابة النقطة الفاصلة التي عمّقت الخلافات بينه وبين القوى البرلمانية المعارضة.
وفي خطوة للحد من آثار الأزمة السياسية الراهنة، أعرب بارنييه عن موقفه خلال تصريحات سابقة، مشددًا: الشعب الفرنسي لن يغفر لنا وضع المصالح الشخصية فوق مستقبل الأمة. كما علّل سياساته التقشفية بضرورة مواجهة الديون الوطنية المتفاقمة وضبط النفقات العامة وزيادة إيرادات الدولة.
في ظل هذه الأوضاع المتوترة، يتعين على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الآن مواجهة تحديات غير مسبوقة تتعلق بإيجاد بديل قادر على تحقيق استقرار سياسي كافٍ واستعادة ثقة الشارع والبرلمان. الأزمة ألقت بظلال ثقيلة ليس فقط على الوضع الداخلي، بل امتدت لتشمل تأثيرات اقتصادية واضحة حيث شهدت الأسواق المالية تراجعًا كبيرًا. فقد انخفض كل من قيمة اليورو ومؤشر “كاك 40” للأسهم القيادية الفرنسية عقب هذه التطورات الدراماتيكية.
المرحلة المقبلة تحمل تعقيدات ضخمة، إذ سيحتاج المشهد السياسي الفرنسي إلى إجراءات قوية ومتوازنة لاحتواء تداعيات القرار وتأمين مسار يعيد الاستقرار للنظام السياسي وللاقتصاد الوطني المهدد بمزيد من الأزمات.
