الشيخات في فضاء الجامعة… احتفال عابر أم مؤشّر على تحوّل في القيم؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم يكن حفل تخرج طلبة المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة مجرّد مناسبة للاحتفاء بنهاية مسار جامعي، بل تحول في ساعات إلى محور نقاش وطني واسع، بعد تداول مقاطع مصورة توثّق حضور “الشيخات” في الحفل الذي أقيم على أنغام الرقص الشعبي، أمام أنظار الطالبات والطلبة والأطر التربوية وعائلات الخريجين.

في مشهدٍ لا يخلو من الرمزية، اصطفت الطالبات والطلبة بلباس التخرج الرسمي، فيما كانت المنصة تحتضن فقرة فنية شعبية مستوحاة من الموروث المغربي، لكن بطريقة اعتبرها البعض “خارج السياق الأكاديمي” و”بعيدة عن الوقار المفترض في مؤسسات التعليم العالي”.

سرعان ما انتشرت المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتثير ردود فعل متباينة. فبينما رأى فيها البعض تعبيرًا عن الفرح والهوية المغربية الأصيلة، اعتبرها آخرون دليلاً على انحدار الذوق العام و”تطبيعًا” مع أشكال فنية لا تليق بجدران مؤسسة تُعنى بتكوين النخب الاقتصادية والإدارية للمستقبل.

وفي الوقت الذي انتقد فيه كثيرون “إقحام الشيخات” في حفل يفترض أن يكون رمزًا للجدية والتميز العلمي، دافعت جمعية الطلبة المنظمة عن الحفل، معتبرة أنه “احتفال مغربي صرف”، يُجسّد لحظة انتقالية في حياة الطالب، من مقاعد الدراسة إلى معترك الحياة المهنية، مضيفة أن الحفل تم في أجواء محترمة، وبمشاركة أسر الطلبة الخريجين، دون تسجيل أي تجاوزات.

لكن السؤال الأعمق الذي يُطرح اليوم هو: هل ما حدث يُعد سابقة عابرة، أم أنه يُجسد تحوّلًا أعمق في منظومة القيم داخل الجامعة المغربية؟

فالجامعات، على مر العصور، لم تكن فقط فضاءً للعلم والمعرفة، بل أيضًا حاضنة للقيم، ومشتلاً لروح المسؤولية والانضباط والتنوير. وعندما يُصبح الرقص الشعبي بمثابة عنوان للفرح الجامعي، يُطرح التساؤل حول ما إذا كنا نُعيد تشكيل مفاهيم الفرح والنجاح، وفق منطق استهلاكي وثقافي جديد، قد لا ينفصل عن مظاهر أخرى من التفاهة المعمّمة والتطبيع مع الابتذال.

لا أحد يُنكر أن الفرح حق مشروع، وأن الاحتفال بالتخرج لحظة رمزية كبرى في حياة الطالب وعائلته. لكن السؤال الذي يُطرح: هل يجب أن تكون رمزية الفرح مقرونة دائمًا بالعروض الفنية الشعبية؟ أم أن الجامعة يمكن أن تُبدع نماذج احتفالية تُمجّد العمل والاجتهاد، وتكرّس الصورة الحضارية للطالب المغربي أمام مجتمعه وأمام العالم؟

إن ما حدث في القنيطرة يفتح باب النقاش واسعًا حول ما إذا كنا نعيش حالة تطبيع غير واعٍ مع نزعة “الفرجة” على حساب القيم، بل وربما تساهل غير محسوب مع رمزية الفضاء الجامعي كمؤسسة علمية، لا يجب أن تنجرف مع موجات “الشعبوية” الفنية السائدة.

قد لا يكون حفل القنيطرة سوى عرض بسيط في مشهد أوسع، لكنه يُجسّد لحظة يجب التوقف عندها، لإعادة التفكير في معاني التخرج، ومفاهيم الفرح، والأهم: موقع الجامعة في معركة بناء الذوق العام والقيم الجماعية.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.