الوفرة القاتلة.. ماذا تقول لنا تجربة “الكون 25″؟
تخيّل مجتمعًا بلا جوع، بلا خوف، بلا صراع. كل شيء متاح، وكل رغبة مُلبّاة. للوهلة الأولى، يبدو المشهد مثاليًا، أقرب إلى يوتوبيا لا مكان فيها للمعاناة. لكن، ماذا لو تحوّل هذا الحلم إلى كابوس يقود في النهاية إلى الانقراض؟
هذا السؤال لم يكن مجرّد خيال علمي. في سبعينيات القرن الماضي، أطلق عالم الأحياء الأمريكي جون كالهيون واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ العلوم السلوكية، عُرفت باسم تجربة الكون 25.
صمّم كالهيون “كونًا صغيرًا” لفئران المختبر: مسكن واسع، طعام وشراب وفير، أمان مطلق، وغياب كامل للأعداء أو الضغوط. وضع بداخله أربعة أزواج من الفئران، وانتظر ليرى كيف سيتطور مجتمعها،البداية كانت مدهشة؛ تكاثر سريع ونمو متواصل في عدد السكان. لكن بعد أقل من عام، بدأ المنحنى في الهبوط.
عند وصول العدد إلى نحو 600 فأر، ظهرت ظواهر غير متوقعة:تسلسل هرمي صارم وهيمنة للفئران الأقوى،انعزال اجتماعي للبعض، فيما أطلق عليهم الباحثون لقب “الفئران البائسة”،انهيار في السلوك الطبيعي؛ ذكور فقدت دورها، إناث هجرت صغارها أو اعتدت عليهم، وارتفاع وفيات الصغار إلى 100%.الأغرب أن بعض السلوكيات الشاذة برزت رغم وفرة الموارد،عدوانية غير مبررة، عزلة مَرَضية، وأكل لحوم.
وبعد عامين فقط، توقف الإنجاب نهائيًا، ومات آخر جيل من الفئران. المفاجأة أن التجربة أُعيدت 25 مرة، والنتيجة دائمًا واحدة: انهيار المجتمع وانقراضه.
لم يكن هدف كالهيون مجرد دراسة الفئران، بل إرسال تحذير أبعد مدى:
“المجتمعات، سواء كانت فئرانًا أو بشرًا، إذا عاشت بلا تحديات وبلا صراع للبقاء، فإنها تبدأ رحلة السقوط من الداخل.”
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على التجربة، يطرح الباحثون أسئلة مُقلقة:
هل يؤدي فائض الرفاهية في بعض المجتمعات الحديثة إلى فقدان المعنى؟
هل يمكن أن تقود العزلة الاجتماعية والإفراط في الراحة إلى انهيار البنية الإنسانية؟أم أن البشر، بعكس الفئران، قادرون على إيجاد بدائل تعطي لحياتهم معنى جديدًا؟
تجربة “الكون 25” لا تزال تُدرّس حتى الآن، ليس كحقيقة مطلقة، بل كمرآة تعكس خطورة الوفرة حين تُجرّد الحياة من التحديات. إنها تذكير بأن الراحة المطلقة قد تكون بداية النهاية، إذا لم تُقابل بقدرة على إيجاد غايات ومعانٍ أعمق.
