وثائقي فرنسي يثير الجدل.. قراءة في خلفيات التوقيت ورسائل التشويش على الشراكة المغربية الفرنسية
أثار الشريط الوثائقي الذي بثته قناة France Télévisions عبر “فرانس 5”، موجة من التساؤلات حول خلفياته الحقيقية، ليس من حيث مضمونه الذي لم يحمل جديدًا يُذكر، بل بسبب توقيت عرضه في ظرف دقيق تشهده العلاقات بين المغرب وفرنسا.
فالعمل، الذي أنجزه الصحفي بينوا برينجيه وأخرجه جون لويس بيريز، أعاد طرح سرديات سبق تداولها، متضمنًا معطيات واتهامات اعتبرها متتبعون مجانبة للدقة، في تكرار لنهج إعلامي وُصف بـ”الابتزازي” في التعاطي مع قضايا المغرب.
غير أن اللافت في هذا الوثائقي ليس محتواه بقدر ما هو سياقه الزمني، إذ يأتي بثه في مرحلة تعرف تقاربًا متسارعًا بين الرباط وباريس، خاصة في ظل التحضير لإطلاق شراكة استراتيجية غير مسبوقة بين البلدين، يُرتقب أن تعزز مكانة المغرب كشريك محوري في جنوب المتوسط.
ورغم تقديم الوثائقي على أنه قراءة تاريخية للعلاقات الثنائية منذ فترة الحماية سنة 1912، وصولًا إلى ما وصفه بـ”التوترات الدبلوماسية الراهنة”، إلا أن طريقة المعالجة اتسمت بانتقائية واضحة، أعادت إحياء ملفات خلافية قديمة، بدل التركيز على دينامية التقارب الحالية.
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن توقيت بث هذا العمل لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها المغرب، سواء على المستوى الإفريقي، حيث يعزز حضوره ونفوذه داخل مناطق كانت تقليديًا ضمن المجال الحيوي الفرنسي، أو على مستوى شراكاته الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة.
كما أن بث هذا الوثائقي تزامن مع تطورات لافتة في الموقف الفرنسي، أبرزها إعلان إيمانويل ماكرون دعمه لمغربية الصحراء، وهو ما اعتُبر تحولًا نوعيًا في العلاقات الثنائية، لم يرق لبعض الدوائر داخل فرنسا.
ويُعيد هذا الجدل إلى الواجهة الحديث عن وجود تيارات داخل المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي، لا تزال تنظر إلى المغرب من زاوية تقليدية مرتبطة بالإرث الاستعماري، وترفض التحولات التي جعلت منه فاعلًا إقليميًا وازنًا ينافس على النفوذ في القارة الإفريقية.
كما لا يمكن إغفال الخلفية المهنية لمخرج الوثائقي، الذي سبق أن أخرج أعمالًا مثيرة للجدل حول المغرب، من بينها شريط بث سنة 2015، ما يعزز فرضية وجود توجه ممنهج في بعض الإنتاجات الإعلامية الفرنسية.
وفي خضم ذلك، عاد الوثائقي لإثارة قضايا سبق أن تم دحضها، من قبيل مزاعم برنامج “بيغاسوس”، رغم غياب أدلة تثبت تورط المغرب، سواء في تقارير أوروبية أو تحقيقات أمنية دولية، وهو ما يطرح تساؤلات حول أهداف إعادة طرح هذه الملفات في هذا التوقيت بالذات.
ورغم هذه المحاولات، تؤكد المعطيات الميدانية أن التعاون المغربي الفرنسي، خصوصًا في المجال الأمني، بلغ مستويات متقدمة، حيث ساهم التنسيق الاستخباراتي بين البلدين في إحباط تهديدات إرهابية، كما امتد ليشمل تأمين تظاهرات دولية كبرى، من بينها الألعاب الأولمبية باريس 2024.
ويبرز هذا التناقض بين التعاون المؤسساتي والتصعيد الإعلامي، وجود مفارقة داخل المشهد الفرنسي، بين توجه رسمي يسعى لتعزيز الشراكة مع المغرب، وخطاب إعلامي يحاول إعادة إنتاج الخلافات القديمة.
في المحصلة، يبدو أن الوثائقي الأخير لا يمكن قراءته كعمل إعلامي محايد، بقدر ما يعكس صراعًا داخليًا في فرنسا بين من يدفع نحو شراكة متجددة مع المغرب، ومن يسعى إلى كبح هذا التقارب عبر أدوات إعلامية تستحضر الماضي أكثر مما تستشرف المستقبل.
