banner

ردا على جدل “مصنع جبس سيدي تيجي”: تطبيق القانون ليس خيارا

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

☆ محمد اسليم ☆

في خضم السجال الدائر حول قرار عامل إقليم آسفي بخصوص ملف مصنع “سيدي تيجي”، يبدو أن جزءا من النقاش انحرف عن جوهره وانتقل من تقييم قانوني موضوعي إلى محاولة تصوير قرار إداري صرف كنوع من التشدد والتعسف في تطبيق القانون. قراءة تحتاج حسب فاعلين حقوقيين محليين إلى إعادة تصويب، لأن ما يُطرح اليوم لا يتعلق بصراع بين الاستثمار والإدارة، بل بمدى التزام الجميع بالقواعد والقوانين. فمنطق “تشغيل اليد العاملة” و”حماية مناصب الشغل” لا يمكن أن يُستعمل كذريعة لتبرير خرق القوانين، وإلا فُتِح الباب على مصراعيه أمام فوضى تنظيمية تمس في العمق المستثمرين الجادين انفسهم. فهل من العدل أن يُكافأ من يتجاوز القانون باسم التنمية، في حين يتحمل المستثمر الملتزم تكاليف واحترام كل الإجراءات؟

ذات المصادر اعتبرت ان القرار الصادر عن عامل الإقليم يجب قراءته في سياقه الطبيعي: تطبيق قانون التعمير والحرص على احترام التراخيص. فالتوسعات، سواء وصفت بأنها داخلية أو تطويرية، تظل خاضعة لمقتضيات قانونية واضحة، ولا يمكن إخراجها من هذا الإطار لمجرد أنها مرتبطة بنشاط اقتصادي قائم. فالقانون لا يميز بين “مخالفة مفيدة اقتصادياً” وأخرى “ضارة”، بل ينظر إلى مدى احترام المساطر.

أما الدعوات إلى اعتماد “المرونة” أو “المقاربة التوافقية”، فهي مطالب قد تبدو “مقبولة” من حيث المبدأ، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى آليات ضاغطة لمخالفة القانون. لأن التجارب أثبتت أن التساهل في مثل هذه الحالات يؤدي إلى تراكم تجاوزات أكبر، ويخلق بيئة غير متكافئة، حيث يصبح الالتزام بالقانون خياراً لا قاعدة.

وفي هذا السياق، فإن لجوء إدارة المصنع إلى القضاء الإداري يُعد خطوة إيجابية تعكس الاحتكام إلى المؤسسات، وهو المسار السليم لحسم مثل هذه النزاعات. مسار يؤكد أن هناك آليات قانونية للفصل، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التوظيف الإعلامي. أما الحديث عن “تعسف” أو “تضييق على الاستثمار”، فهو خطاب يحتاج إلى تدقيق، لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على استثناءات أو تأويلات مرنة للقانون، بل على وضوح القواعد واستقرارها. والمستثمر الذي يبحث عن بيئة سليمة، يفضل إدارة صارمة وعادلة على إدارة متساهلة تفتح الباب أمام الفوضى والمنافسة غير المشروعة.

إن ما يجري في آسفي اليوم يمكن اعتباره لحظة مفصلية: إما ترسيخ ثقافة احترام القانون كقاعدة أساسية للتنمية، أو دعم منطق الاستثناء الذي أثبت محدوديته في اكثر من مرة. وفي هذا الإطار، فإن دور السلطة الترابية ليس فقط تسهيل الاستثمار، بل أيضاً حماية المجال من كل أشكال الاختلال التي قد تهدد استدامة التنمية.

في النهاية، قد تبدو بعض القرارات قاسية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها رسالة واضحة: لا أحد فوق القانون. وهذه الرسالة، إذا ما تم ترسيخها، ستكون الضمان الحقيقي لجذب استثمارات جادة، قائمة على الشفافية وتكافؤ الفرص، وليس على التفاوض خارج الإطار القانوني.

وعليه، فإن الدفاع عن قرار عامل إقليم آسفي ليس دفاعاً عن شخص أو إدارة، بل عن مبدأ أساسي: دولة القانون لا تُبنى بالاستثناءات، بل بتطبيق القواعد على الجميع، دون تمييز أو ضغط.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.