بين منصة الانتخابات وهدوء المستشفى.. حين تتحدث المسؤولية بلغة مختلفة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في زمن الانتخابات، لا تكتفي السياسة بأن تكون حاضرة في الخطابات، بل تتحول إلى مشهد يومي تتداخل فيه الكلمات بالوعود، والبرامج بالمنافسة، والأرقام بمحاولات إقناع الناخب بأن المستقبل يمكن أن يُصاغ من فوق منصة أو داخل استوديو تلفزيوني.

وأثناء التنقل بين القنوات التلفزيونية المغربية وتصفح بعض مواقع التواصل الاجتماعي، لفتت الانتباه مفارقة تستحق التوقف عندها، ليس من زاوية السياسة وحدها، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بمعنى السلطة والمسؤولية وعلاقة الإنسان بالفعل الذي يختار أن يؤديه حين تتاح له إمكانية التأثير.
في المشهد الأول، تبدو السياسة في صورتها المعروفة: مرشحون أمام الكاميرات، خطابات معدة بعناية، برامج انتخابية تُعرض بلغة الأرقام، ومقارنات متواصلة مع المنافسين. كل طرف يحاول تقديم تصوره باعتباره الطريق الأكثر قدرة على معالجة قضايا المجتمع، فيما يتحول القطاع العام والخدمات العمومية والتنمية إلى عناوين رئيسية في سجال انتخابي غايته استمالة المواطن وإقناعه.

هنا تصبح الكلمة أداة للسلطة، ويصبح البرنامج وسيلة لإثبات الجدارة، وتتحول المنافسة السياسية إلى امتحان علني يحاول فيه كل طرف أن يشرح لماذا يستحق ثقة الناخب.

لكن الصورة تتغير كلياً عندما تنتقل الكاميرا من الاستوديو إلى فضاء مختلف؛ فضاء لا يحتاج إلى جمهور انتخابي ولا إلى شعارات ولا إلى مقارنات.

داخل المستشفى، يظهر المسؤول في موقع آخر: بعيداً عن المنصة، قريباً من الإنسان. لا توجد هنا أرقام انتخابية ولا سجالات حزبية، وإنما مرضى ينتظرون العناية، وأشخاص يواجهون لحظات من الضعف والحاجة، وحضور إنساني لا يحتاج بالضرورة إلى خطاب طويل حتى يكون ذا معنى.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: هل تقاس المسؤولية العامة بما نقوله عندما نطلب ثقة الناس، أم بما نفعله عندما لا تكون هناك صناديق اقتراع أمامنا؟

السؤال ليس موجهاً إلى شخص بعينه، ولا يراد منه التقليل من قيمة البرامج الانتخابية أو النقاش السياسي، فالديمقراطية تحتاج إلى الخطاب، والمجتمع يحتاج إلى البرامج، والمؤسسات تحتاج إلى من يضع السياسات ويدافع عنها أمام المواطنين.

لكن السياسة، في معناها الأوسع، لا تنتهي عند حدود الخطاب.
فالسلطة ليست فقط موقعاً يمنح صاحبه القدرة على اتخاذ القرار، وإنما هي أيضاً اختبار يومي لكيفية استعمال تلك القدرة. والالتزام العام لا يُختزل في لحظة انتخابية، بل يمتد إلى التفاصيل الصغيرة التي قد لا تحظى بالكاميرات نفسها، لكنها تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة.

بين استوديو تملؤه الكلمات ومستشفى تملؤه آلام الناس، تظهر مسافة فلسفية بين الحديث عن المواطن والاقتراب منه، وبين تقديم الخدمة باعتبارها وعداً انتخابياً وممارستها باعتبارها مسؤولية إنسانية.

وربما تكمن المفارقة الحقيقية في أن السياسة تحتاج إلى الاثنين معاً: خطاب يقنع، وبرامج تشرح، ومؤسسات تعمل، ومسؤولية تُمارس بعيداً عن الأضواء.
ففي النهاية، لا تختبر السلطة فقط أمام الميكروفونات والكاميرات، وإنما تختبر أيضاً في الأماكن التي يكون فيها الإنسان أضعف من أن يطلب شيئاً، وأشد حاجة إلى أن يجد من يقوم بواجبه.

وهناك، بعيداً عن صخب المنافسة، يصبح السؤال أكثر بساطة وأكثر عمقاً: ماذا يبقى من السلطة عندما تختفي الكاميرات؟

☆هشام بالكيحل☆

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.