فرنسا بين شعار الحرية وواقع المهاجرين: من يدفع ثمن الاقتصاد؟

ذة. رشيدة باب الزين باريس

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في فرنسا اليوم سؤال يصعب تجاهله: كيف يمكن لدولة تضع على واجهتها شعار «الحرية، المساواة، الإخاء» أن يعيش فيها آلاف الأجانب بين العمل والبطالة، وبين الضرائب والحرمان من الإقامة، وبين الحاجة إلى اليد العاملة والخطاب السياسي المتشدد تجاه الهجرة؟

السؤال لا يتعلق فقط بالمهاجر الذي وصل حديثًا، بل أيضًا بأشخاص أمضوا سنوات في فرنسا، يعملون في المطاعم وورش البناء والتنظيف والفنادق والمصانع والزراعة والخدمات، ويؤدون أعمالًا يحتاج إليها الاقتصاد، بينما تظل أوضاعهم القانونية معلقة. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: كيف يمكن لإنسان أن يكون مطلوبًا عندما يحتاجه سوق العمل، ومرفوضًا عندما يطالب بحق قانوني في الاستقرار؟

القانون الفرنسي نفسه يعترف بوجود حالات يمكن فيها تسوية وضع العامل الأجنبي غير النظامي، فهناك إجراء يسمى «التسوية الاستثنائية للإقامة»، ويمكن أن يستند إلى العمل، مع شروط تختلف بحسب الحالة، ومنذ إصلاحات الهجرة الأخيرة، أصبح العمل في «المهن التي تعاني نقصًا في اليد العاملة» أحد المسارات التي يمكن أن تسمح بالتسوية، بشروط من بينها الإقامة المستمرة لثلاث سنوات والعمل 12 شهرًا خلال آخر 24 شهرًا في مهنة ومنطقة مشمولة بالنظام. وهذه الآلية، وفق القانون الحالي، ممتدة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.
لكن وجود هذا المسار لا يعني أن كل عامل يشتغل يستطيع الحصول تلقائيًا على بطاقة إقامة. فالتسوية ليست حقًا آليًا، وإنما تخضع لشروط ودراسة إدارية.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في النقاش الفرنسي: العامل غير النظامي قد يكون ضروريًا في سوق العمل، لكنه لا يحصل بمجرد عمله على حق تلقائي في الإقامة.

أما بالنسبة إلى الضرائب والاشتراكات، فالمسألة تختلف بحسب طبيعة العمل وما إذا كان مصرحًا به. والدولة نفسها تفرض على أصحاب العمل، في حالات تشغيل الأجانب بصورة قانونية، التزامات واشتراكات ورسوم مرتبطة بالتوظيف؛ كما أن تشغيل أجنبي من دون تصريح عمل يعد مخالفة تقع مسؤوليتها أيضًا على صاحب العمل.

وهذا يفتح سؤالًا أكبر: إذا كان صاحب العمل يستفيد من عمل شخص أجنبي، فمن المسؤول عن نظام سمح باستغلال حاجته ثم أبقاه في وضع قانوني هش؟

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الهجرة واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الفرنسية، والحكومة الفرنسية اتجهت إلى تشديد عدد من جوانب سياسة الهجرة، بما في ذلك مكافحة الهجرة غير النظامية، تشديد بعض شروط الإقامة، وتطوير إجراءات الإبعاد والاحتجاز الإداري. وقد أكدت الحكومة في عرضها لتطبيق قانون الهجرة لعام 2024 أن من أهداف القانون التحكم في طرق الوصول إلى الإقامة، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتشديد إجراءات الإبعاد، وفي الوقت نفسه تحسين اندماج الأجانب عبر العمل واللغة.

وفي عام 2026 واصلت الحكومة تعديل الإطار القانوني للهجرة واللجوء ليتلاءم مع النظام الأوروبي الجديد، الذي دخل حيز التطبيق في يونيو  2026.

ومن هنا يمكن فهم سبب شعور جزء من المهاجرين بأن الدولة لا تنظر إليهم بوصفهم بشرًا لهم قصص وأسر وطموحات، وإنما بوصفهم «ملف هجرة» أو «مشكلة أمنية» أو رقمًا في إحصاءات الحدود.

لكن تحميل الرئيس وحده مسؤولية كل ما يحدث في ملف الهجرة سيكون تبسيطًا للمشهد؛ فسياسات الهجرة نتاج قوانين يصوت عليها البرلمان، وقرارات حكومية وإدارية، وقواعد أوروبية، وممارسات للسلطات المحلية والقضائية.

ومع ذلك، يبقى من المشروع سياسيًا وأخلاقيًا مساءلة رئيس الجمهورية والحكومات التي يقودها أو يدعمها عن الاتجاه العام لهذه السياسات وعن آثارها الاجتماعية.

من أكثر الملفات إثارة للجدل في فرنسا العلاقة بين الجمهورية والإسلام، يجب التمييز هنا بين العلمانية الفرنسية وبين استهداف المسلمين كأشخاص، فالدستور الفرنسي ينص على أن الجمهورية علمانية، ويضمن المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الدين، وينص كذلك على احترام المعتقدات. كما أن شعار الجمهورية الرسمي هو «الحرية، المساواة، الإخاء».

لكن فرنسا اختارت أيضًا فرض قيود محددة على بعض الرموز الدينية في مؤسسات معينة. ومنذ قانون عام 2004، يُمنع في المدارس الحكومية ارتداء الرموز أو الملابس التي تظهر الانتماء الديني بصورة واضحة، وهو قانون يشمل الرموز الدينية المختلفة، وإن كان الحجاب الإسلامي من أبرز القضايا التي ارتبطت به في النقاش العام.

وهنا يطرح المسلمون سؤالًا مشروعًا: هل تكفي كلمة «العلمانية» لتفسير كل القيود التي تمس ممارسة دينية معينة؟

أنصار النظام الفرنسي يقولون إن العلمانية تحمي حياد الدولة وتضمن حرية الضمير، بينما يرى منتقدون أن تطبيقها أصبح في بعض الأحيان يركز بصورة غير متناسبة على المسلمين وعلى مظاهر الإسلام في المجال العام.

والنقاش لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جميع الفرنسيين أو جميع مؤسسات الدولة بالعداء للإسلام. فهناك ملايين المسلمين الذين يعيشون ويدرسون ويعملون ويمارسون دينهم في فرنسا. لكن في المقابل، من حق أي مواطن أو مقيم أن يسأل عندما يشعر بأن دينه أو مظهره الديني أصبح أكثر حضورًا في النقاش السياسي من غيره.

المفارقة الكبرى هي أن أوروبا، وفرنسا خصوصًا، تحتاج إلى العمال الأجانب في قطاعات عديدة، بينما يتزايد في الوقت نفسه الضغط السياسي للحد من الهجرة.

إن العامل الذي ينظف الفندق ليلًا، أو يعمل في مطبخ مطعم، أو يبني منزلًا، أو يعتني بكبار السن، أو يعمل في قطاع لا يجد فيه أصحاب العمل العدد الكافي من الموظفين، ليس مجرد «مهاجر غير نظامي».
إنه إنسان.

وراء كل ملف إداري قصة: أب يريد رؤية أبنائه، أم تريد أن تعيش بأمان، شاب أمضى سنوات من عمره في فرنسا، عامل يخرج قبل شروق الشمس ويعود بعد غروبها.

وعندما يصبح الإنسان محتاجًا إلى العمل لكنه غير قادر على بناء حياة مستقرة، فإن المشكلة لا تعود مجرد مشكلة هجرة؛ بل تصبح مشكلة عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.

صعود اليمين المتطرف في فرنسا وأوروبا لا يمكن اختزاله في وجود المهاجرين وحدهم، إنه مرتبط أيضًا بالخوف الاقتصادي، وأزمة السكن، والبطالة، والقلق من المستقبل، والإحساس بعدم الأمان، وفقدان الثقة في المؤسسات السياسية.

لكن الخطر يكمن عندما يصبح المهاجر هو المتهم الدائم بكل أزمة.
عندها يتحول العامل الأجنبي إلى كبش فداء: عندما يحتاجه الاقتصاد يكون «يدًا عاملة»، وعندما ترتفع الأسعار يصبح «مشكلة»، وعندما تزداد الجريمة يصبح «خطرًا»، وعندما يحتاج السياسي إلى أصوات انتخابية يصبح «ملف الهجرة».

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح على الطبقة السياسية الفرنسية بكل أطيافها:

هل تريدون مهاجرين يعملون فقط، أم بشرًا لهم حقوق وكرامة ومستقبل؟
فلا يمكن أن تطلب الدولة من الإنسان الاندماج، وتطلب منه العمل، واحترام القانون، ودفع ما يترتب عليه من ضرائب واشتراكات عندما يكون العمل مصرحًا به، ثم تتركه سنوات في حالة قانونية واجتماعية تجعل مستقبله مجهولًا.

«الحرية، المساواة، الإخاء»… لمن؟
في النهاية، ليست المشكلة في الشعار.
المشكلة في المسافة بين الشعار والتطبيق.

فالحرية لا تكون كاملة إذا كان الإنسان يعيش خوفًا دائمًا من فقدان مأواه أو ترحيله.

والمساواة تفقد معناها إذا أصبح الأصل أو الدين سببًا لمعاملة مختلفة خارج ما يسمح به القانون.

والإخاء لا يكون شعارًا حقيقيًا إذا تُرك إنسان يعمل ويكدح ويشارك في المجتمع ثم يُعامل باعتباره غريبًا إلى الأبد.

الدستور الفرنسي يقول بوضوح إن الجمهورية تضمن المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الدين، وتحترم المعتقدات، كما يعلن أن شعارها هو «الحرية، المساواة، الإخاء».

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل فرنسا دولة عنصرية؟
السؤال الأكثر دقة والأكثر أهمية هو:

هل تستطيع فرنسا أن تجعل سياساتها تجاه الأجانب والمهاجرين منسجمة فعلًا مع المبادئ التي تعلنها الجمهورية، وأن تضمن في الوقت نفسه أمنها وسيادة قوانينها وحقوق الإنسان؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بطريقة تعامل الدولة مع مواطنيها الأقوياء، وإنما أيضًا بطريقة تعاملها مع الأكثر هشاشة: العامل الذي لا يملك أوراقًا، والأسرة التي تخشى التشرد، والمرأة التي تريد ممارسة دينها، واللاجئ الذي ينتظر قرارًا، والمهاجر الذي قضى سنوات من عمره وهو يسأل السؤال نفسه:

متى أصبح إنسانًا كامل الحقوق في البلد الذي أعطاه سنوات من حياته؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.