اغتيال إبراهيم الحمدي.. جريمة غامضة تطارد الذاكرة السياسية اليمنية منذ عام 1977

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لا تزال قضية مقتل الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي واحدة من أبرز الملفات الغامضة في تاريخ اليمن الحديث، بعدما انتهت فترة حكمه بمقتله في أكتوبر 1977، في حادثة ظلت ملابساتها محل تساؤلات واتهامات سياسية متداولة لعقود، وسط مطالب متجددة بالكشف عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.

في الحادي عشر من أكتوبر عام 1977، اختفى الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي، عقب تلقيه دعوة إلى مأدبة غداء في منزل رئيس الأركان آنذاك أحمد الغشمي. وبعد وقت وجيز، أُعلن عن مقتله رفقة شقيقه، لتبدأ مرحلة طويلة من الجدل بشأن ظروف الحادث والجهات التي تقف وراءه.

ووجّه أنصار الحمدي اتهامات إلى أحمد الغشمي، وإلى علي عبد الله صالح الذي كان يشغل حينها رتبة عسكرية، بالتورط في مقتله بالتعاون مع أطراف خارجية. غير أن هذه الاتهامات ظلت موضع خلاف، في ظل غياب تحقيق شامل يكشف بصورة حاسمة ملابسات الواقعة والمسؤوليات المرتبطة بها.

وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، لم يُفتح تحقيق موسع يضع حدًا للتساؤلات المحيطة بالقضية خلال فترة حكم علي عبد الله صالح. لكن اندلاع الاحتجاجات الشعبية في فبراير 2011 أعاد الملف إلى الواجهة، بعدما رفع متظاهرون صور الحمدي واستحضروا تجربته السياسية ضمن مطالبهم بالتغيير والعدالة وبناء مؤسسات الدولة.

ولم يقتصر إحياء ذكرى الرئيس الراحل على استحضار سيرته، بل امتد إلى المطالبة بإعادة التحقيق في مقتله، والكشف عن حقيقة ما جرى، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجريمة، إلى جانب مساءلة الجهات التي يُشتبه في مساهمتها في طمس تفاصيل القضية أو عرقلة التحقيق فيها.

ورأى مؤيدو الحمدي أن تجربته الإصلاحية ارتبطت بمطالب الدولة والقانون والكرامة، وهي الشعارات التي حضرت بقوة خلال احتجاجات عام 2011. كما اعتبروا أن إعادة فتح ملفه تمثل جزءًا من المطالبة بكشف حقائق ظلت غائبة عن الأجيال اليمنية المتعاقبة.

ونقلت مصادر مطلعة أن الثورة الشبابية أعادت تسليط الضوء على قضية الحمدي، في وقت ظلت فيه، بحسب هذه المصادر، بعض القوى التي عارضت توجهاته في بناء الدولة حاضرة في المشهد السياسي. وتبقى هذه الروايات بحاجة إلى ما يثبتها من خلال تحقيق مستقل وأدلة موثقة.

ولفهم السياق الذي صعد فيه إبراهيم الحمدي إلى السلطة، لا بد من العودة إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية التي عرفها شمال اليمن عقب ثورة سبتمبر 1962، وهي مرحلة اتسمت بصراعات متواصلة على الحكم وتداعيات الحرب بين الجمهوريين والملكيين.

فبعد مغادرة عبد الله السلال السلطة، تولى القاضي عبد الرحمن الإرياني الرئاسة عقب حركة الخامس من نوفمبر 1967. ورغم ما شهدته فترته من جهود للمصالحة الوطنية وإنهاء المواجهات بين الجمهوريين والملكيين، استمرت الخلافات السياسية وتنافس مراكز النفوذ، بالتزامن مع تصاعد تأثير زعماء القبائل وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها بصورة كاملة.

وفي خضم هذه الظروف، برز إبراهيم الحمدي ضمن التحركات الرامية إلى إصلاح الإدارة والاقتصاد وتعزيز مؤسسات الدولة. وأشار المفكر السياسي قادري حيدر إلى أن الحمدي أشرف، منذ عام 1973، على البرنامج الإنمائي الثلاثي، وشارك في عدد من المبادرات ذات الطابع الإصلاحي داخل المؤسسة العسكرية وخارجها.

ومع تزايد التوترات السياسية ورغبة الإرياني في مغادرة السلطة، قاد الحمدي حركة الثالث عشر من يونيو 1974، التي وُصفت من جانب أنصارها بأنها حركة تصحيحية، بينما تناولتها قراءات أخرى باعتبارها انقلابًا أبيض لم يشهد إراقة للدماء عند وقوعه.

وبعد وصوله إلى السلطة، أعلن الحمدي توجهه نحو إصلاح الإدارة العامة، وتطوير مؤسسات الدولة، والحد من نفوذ مراكز القوى التقليدية، مع التركيز على استقلال القرار اليمني وتعزيز حضور الدولة في الحياة السياسية والاقتصادية.

لكن هذه التوجهات وضعت تجربته في سياق صراع معقد حول طبيعة الحكم وتوزيع النفوذ داخل البلاد، وهو ما جعل فترة رئاسته محطة مهمة في تاريخ اليمن المعاصر، كما جعل نهايتها الدامية موضوعًا مستمرًا للبحث والنقاش.

وبعد مرور عقود على اغتياله، لا تزال قضية إبراهيم الحمدي تطرح أسئلة بشأن حقيقة ما حدث في أكتوبر 1977، ومدى إمكانية كشف تفاصيل الجريمة عبر تحقيق جاد ومستقل، يميز بين الوقائع المثبتة والاتهامات السياسية، ويتيح الوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن الحسابات والصراعات.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.