محمد شكري.. من قسوة شوارع طنجة إلى العالمية.. حكاية كاتب مغربي جعل من «الخبز الحافي» شهادة أدبية عابرة للحدود

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في مسار أدبي استثنائي، استطاع الكاتب والروائي المغربي محمد شكري أن يحوّل تفاصيل حياة مثقلة بالفقر والتشرد والجوع إلى نصوص أدبية هزّت الأوساط الثقافية، وفتحت نقاشاً واسعاً حول حدود الجرأة في الكتابة العربية. فمن طفولة قاسية عاشها بين جبال الريف وأزقة طنجة، إلى حضور أدبي تجاوز حدود المغرب، ظل شكري صوتاً أدبياً مختلفاً، اختار أن يكتب عن العالم الذي عرفه دون تزييف أو تجميل.

وتحل في 15 نونبر من كل سنة ذكرى رحيل محمد شكري، الذي توفي سنة 2003 بعد معاناة مع مرض السرطان، تاركاً وراءه تجربة إبداعية ارتبط اسمها بشكل وثيق بروايته الشهيرة «الخبز الحافي»، التي تحولت إلى أحد أبرز الأعمال الأدبية المغربية المعروفة على الصعيد العالمي.

ولد محمد شكري يوم 15 يوليوز 1935 بمنطقة بني شيكر بإقليم الناظور، وسط أسرة فقيرة، وعاش طفولة اتسمت بالقسوة والحرمان. وانتقلت أسرته سنة 1942 إلى مدينة طنجة بحثاً عن ظروف عيش أفضل، غير أن الانتقال لم يضع حداً لمعاناته، بل وجد نفسه أمام واقع اجتماعي صعب، اتسم بالفقر والتشرد والعنف الأسري.

وكانت الأمازيغية الريفية لغته الأولى، قبل أن يتعلم العربية بعد انتقاله إلى طنجة. كما اضطر في سن مبكرة إلى مغادرة محيطه الأسري بسبب ما كان يتعرض له من معاملة قاسية، ليخوض تجربة حياة الشارع بكل مخاطرها.

ولم تكن طفولته شبيهة بطفولة أقرانه؛ فقد اشتغل في أعمال متعددة، من بينها العمل بصبياً في المقاهي، وحمالاً، وبائعاً للجرائد، وماسحاً للأحذية، قبل أن ينخرط في عوالم أكثر قسوة مرتبطة بالتهريب والتسكع، وهي التجارب التي ستصبح لاحقاً مادة أساسية في مشروعه الأدبي.

رغم الظروف التي أحاطت بنشأته، لم يستسلم شكري لواقعه، إذ قرر سنة 1955 تغيير مسار حياته، فالتحق بالمدرسة بمدينة العرائش، وهو في العشرينيات من عمره، ليبدأ رحلة تعلم القراءة والكتابة بعد سنوات طويلة من الحرمان.

ومع مرور الوقت، تمكن من استكمال مساره الدراسي، قبل أن يلتحق بسلك التعليم، في تحول لافت من طفل عاش على هامش المجتمع إلى مدرس وكاتب استطاع أن يجد لنفسه مكاناً في المشهد الثقافي المغربي والعربي.

وفي سنة 1966، نشر قصته الأولى «العنف على الشاطئ» بمجلة «الآداب» اللبنانية، لتبدأ ملامح تجربته الأدبية في الظهور، وتتوالى أعماله التي اتخذت من الواقع الاجتماعي والهامش الإنساني مجالاً للكتابة والتعبير.

كما اشتغل في المجال الإذاعي بمدينة طنجة، من خلال إعداد وتقديم برامج ثقافية، من بينها برنامجه المعروف «شكري يتحدث»، الذي ساهم في تعزيز حضوره داخل الأوساط الثقافية.

تظل رواية «الخبز الحافي» العمل الأكثر ارتباطاً باسم محمد شكري، وهي رواية ذات طابع سيرذاتي، استعاد فيها الكاتب محطات من طفولته وشبابه، مقدماً صورة مباشرة عن عالم الفقر والتشرد والعنف والتهميش.

كتب شكري الرواية باللغة العربية سنة 1972، غير أن نشرها عرف مساراً مختلفاً؛ إذ ترجمها الكاتب الأمريكي بول بولز إلى الإنجليزية سنة 1973، فيما نقلها الكاتب المغربي الطاهر بنجلون إلى الفرنسية سنة 1981، قبل أن تصدر نسختها العربية سنة 1982.

وأثارت الرواية منذ ظهورها نقاشاً واسعاً بسبب تناولها موضوعات كانت تعد من المحرمات في الكتابة الأدبية العربية، حيث لم يتردد صاحبها في الكشف عن تفاصيل الحياة اليومية للفئات المهمشة، وما ارتبط بها من جوع وعنف واستغلال وانحرافات اجتماعية.

ولم تكن «الخبز الحافي» مجرد حكاية عن طفولة معذبة، بل تحولت إلى شهادة أدبية على واقع اجتماعي ظل بعيداً عن اهتمام كثير من الكتاب، إذ اختار شكري أن يجعل من تجربته الشخصية نافذة لفهم معاناة الإنسان في ظروف الحرمان والإقصاء.

وقد ساهمت ترجمة الرواية إلى عشرات اللغات في وصولها إلى قراء من مختلف أنحاء العالم، كما ارتبط اسمها بإشادة عدد من الأدباء العالميين، من بينهم الكاتب المسرحي الأمريكي تينيسي وليامز، الذي وصفها بأنها وثيقة حقيقية لليأس الإنساني، ذات تأثير بالغ.

لم تكن طنجة مجرد فضاء جغرافي في حياة محمد شكري، بل شكلت عالماً أدبياً متكاملاً في أعماله. ففي أزقتها ومقاهيها وأحيائها الهامشية وجد الكاتب شخصياته وموضوعاته، واستعاد من خلالها تفاصيل مجتمع متعدد الوجوه، تتجاور فيه المعاناة الإنسانية مع مظاهر التفاوت الاجتماعي.

واختار شكري أن يكتب عن الشخصيات التي غالباً ما غابت عن النصوص الأدبية التقليدية، من الفقراء والمشردين إلى السكارى والعاملين في الهامش، مقدماً عوالمهم بلغة بسيطة ومباشرة، بعيدة عن التجميل والمبالغة.

وقد جعل هذا التوجه من كتاباته تجربة واقعية مثيرة للنقاش، إذ اعتبره بعض النقاد أقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى الرواية التقليدية، بينما رأى آخرون أن أهميته تكمن في قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى مادة أدبية تطرح أسئلة اجتماعية وإنسانية واسعة.

ورغم الشهرة الكبيرة التي حققتها «الخبز الحافي»، ظل محمد شكري حريصاً على مواصلة الكتابة، ولم تقتصر تجربته على هذا العمل وحده، بل ترك مجموعة من المؤلفات التي تعكس تنوع اهتماماته الأدبية والفكرية.

ومن أبرز أعماله «زمن الأخطاء» و«الشطار» و«مجنون الورد» و«الخيمة» و«السوق الداخلي» و«غواية الشحرور الأبيض» و«الليل المقدس»، إلى جانب نصوص ومؤلفات أخرى تناولت الذاكرة والواقع الاجتماعي والعلاقات الإنسانية.

كما ظلت سيرته الشخصية حاضرة بقوة في كتاباته، حيث لم يفصل بشكل واضح بين تجربته الحياتية ومشروعه الإبداعي، بل جعل من الذاكرة والواقع اليومي أساساً لبناء نصوصه.

وعلى المستوى الشخصي، لم يتزوج محمد شكري طوال حياته، وكان يربط عزوفه عن الزواج بخشيته من إعادة إنتاج القسوة والتسلط اللذين عاشهما في طفولته، معبراً عن مخاوفه من أن ينقل إلى طفل محتمل ما تعرض له من معاناة.

رحل محمد شكري في 15 نونبر 2003، لكن تجربته الأدبية لم تغادر المشهد الثقافي المغربي والعربي، إذ لا تزال أعماله موضوعاً للقراءة والنقد والنقاش، خصوصاً بسبب جرأتها في تناول قضايا الفقر والتهميش والعنف الاجتماعي.

لقد استطاع شكري أن ينقل تجربة إنسانية من الهامش إلى العالمية، وأن يجعل من الحكايات التي عاشها في شوارع طنجة مادة أدبية تجاوزت حدود اللغة والجغرافيا.

وبين من رأى في كتاباته كشفاً ضرورياً لواقع اجتماعي مسكوت عنه، ومن انتقد جرأتها وموضوعاتها، بقي محمد شكري واحداً من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن تحولات الرواية المغربية المعاصرة.

فقد كانت «الخبز الحافي» بوابة شهرته العالمية، لكنها لم تكن كل حكايته؛ إذ ترك وراءه مشروعاً أدبياً يعكس مسار إنسان بدأ حياته على هامش المجتمع، وانتهى اسمه حاضراً في ذاكرة الأدب المغربي والعالمي.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.