المينورسو في الصحراء المغربية.. 35 عاماً بين وقف إطلاق النار وتعثر الحل السياسي فهل وصلت مهمة الأمم المتحدة إلى نهايتها؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

منذ دخول بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء سنة 1991، ظل ملف الصحراء المغربية واحداً من أكثر النزاعات الإقليمية تعقيداً في المنطقة المغاربية، حيث وجدت بعثة المينورسو نفسها أمام مهمة أممية كان هدفها المعلن مراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لتنظيم استفتاء لتقرير المصير، لكنها تحولت، مع مرور السنوات، إلى شاهد على تعثر المسار السياسي واستمرار الخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو، وسط تجاذبات إقليمية ودولية تتداخل فيها حسابات الرباط والجزائر ومواقف القوى الكبرى.

وبينما يواصل المغرب الدفاع عن وحدته الترابية ومبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي الذي يقترحه لإنهاء النزاع، تتمسك جبهة البوليساريو بمطلب الاستقلال، في وقت تظل فيه الجزائر طرفاً محورياً في المعادلة السياسية والإقليمية، وهو ما جعل المينورسو تتحرك طوال عقود داخل مشهد شديد الحساسية، أشبه بمن يوجد بين المطرقة والسندان.

تعود جذور النزاع إلى سنة 1975، عندما انتهى الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة من الخلاف السياسي والإقليمي، قبل أن تتشكل جبهة البوليساريو باعتبارها طرفاً مطالباً بالاستقلال، بينما اعتبر المغرب الصحراء جزءاً من وحدته الترابية.

وبعد سنوات من المواجهات العسكرية والمساعي الدبلوماسية، تدخلت الأمم المتحدة، بتعاون مع منظمة الوحدة الإفريقية، لإيجاد تسوية سياسية للنزاع.

وفي 30 غشت 1988، وافق المغرب وجبهة البوليساريو على مقترحات التسوية الأممية، التي شكلت الأساس لخطة وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء حول مستقبل الإقليم.

وفي 29 أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 690، القاضي بإنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم MINURSO، فيما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 6 شتنبر من السنة نفسها، وبدأ انتشار المراقبين العسكريين الأمميين في المنطقة خلال شتنبر 1991.

وكانت المهمة الأصلية للبعثة تقوم على مراقبة وقف إطلاق النار، والتحقق من الترتيبات العسكرية، والإشراف على تحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة في الاستفتاء، الذي كان مقرراً أن يختار فيه المصوتون بين الاستقلال والاندماج مع المغرب.

لكن الخلاف حول تحديد هوية من يحق لهم التصويت، والاختلاف بشأن المعايير المعتمدة لإعداد اللوائح الانتخابية، أدخلا العملية في تعقيدات سياسية وقانونية كبيرة.

وفي سنة 1994، شرعت البعثة في عملية تحديد هوية الناخبين، قبل أن تتوقف العملية في ماي 1996، نتيجة استمرار الخلافات بين الأطراف، ليظل الاستفتاء الذي تأسست البعثة من أجل تنظيمه مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

وهكذا، انتقلت المينورسو تدريجياً من بعثة مكلفة بالتحضير لاستفتاء محدد زمنياً إلى حضور أممي طويل الأمد، يركز أساساً على مراقبة الوضع العسكري والأمني، دون أن يتمكن من إنهاء النزاع سياسياً.

ومع استمرار تعثر المسار الأممي، دخل الملف مرحلة جديدة سنة 2007، حين قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها مقترحاً لتسوية سياسية للنزاع، يمنح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة والوحدة الترابية للمملكة.
وفي المقابل، قدمت جبهة البوليساريو مقترحاً يدعو إلى تنظيم استفتاء يتضمن خيار الاستقلال.

وعقدت الأمم المتحدة جولات من المفاوضات بين الأطراف، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، خلال سنتي 2007 و2008، كما استمرت الاتصالات والاجتماعات غير الرسمية خلال السنوات اللاحقة، دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

ومنذ ذلك الحين، ظل المغرب يدافع عن الحكم الذاتي باعتباره الحل السياسي الواقعي، فيما استمرت البوليساريو في التشبث بمطلب الاستقلال، وظلت الجزائر حاضرة في المسار باعتبارها طرفاً معنيّاً بالمفاوضات الإقليمية، وهو ما جعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر تعقيداً.

لم تخلُ علاقة المغرب بالبعثة الأممية من التوترات، فقد شهدت سنة 2016 أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط والأمم المتحدة، عقب تصريحات للأمين العام السابق بان كي مون خلال زيارته المنطقة، وما أثارته من اعتراض مغربي، خصوصاً بشأن استعماله تعبيرات اعتبرتها الرباط مسيئة لموقفها من قضية الصحراء.

وتطورت الأزمة إلى إجراءات مغربية شملت تقليصاً لوجود المكون المدني للبعثة، ما أثار نقاشاً دولياً حول مستقبل المينورسو وطبيعة دورها.

ورغم هذه التوترات، استمر المكون العسكري للبعثة في أداء مهامه الميدانية، وظلت المينورسو حاضرة في المنطقة.

وشكل شهر نونبر 2020 منعطفاً حاسماً في مسار النزاع، بعدما تدخلت القوات المسلحة الملكية في منطقة الكركرات، لتأمين المعبر الحدودي والطريق الرابط بين المغرب وموريتانيا، عقب أسابيع من عرقلة حركة المرور من طرف عناصر تابعة للبوليساريو.

وعقب هذه التطورات، أعلنت جبهة البوليساريو تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار، واعتبرت أنها عادت إلى المواجهة المسلحة.

ومنذ ذلك الحين، استمرت التوترات العسكرية، مع تسجيل حوادث متفرقة، بينما واصلت المينورسو مراقبة التحركات والتطورات العسكرية على جانبي الجدار الرملي، في محاولة لمنع اتساع دائرة المواجهة.

وهنا برزت إحدى أبرز مفارقات البعثة: فهي مكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار، بينما أصبح اتفاق وقف إطلاق النار نفسه محل خلاف بين الأطراف.

وشهد الملف تطوراً سياسياً مهماً في أكتوبر 2025، عندما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي مدد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026.

ومن أبرز ما حمله القرار دعمه للمفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

كما طلب القرار من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة، مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار.
وبذلك لم يعد النقاش محصوراً في تمديد مهمة المينورسو بصورة آلية، بل أصبح يشمل طبيعة دورها ومستقبل وجودها في المنطقة.

ودخل ملف الصحراء المغربية مرحلة غير مسبوقة خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026، بعدما فشل مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن مستقبل بعثة المينورسو.

ففي 30 أكتوبر 2026، طرح الوفد الأمريكي مشروع قرار يقضي بتمديد ولاية البعثة لمدة سنة إضافية، مع إدخال تعديلات على طبيعة مهمتها، من بينها تغيير اسمها إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، وجعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً للمفاوضات.

لكن المشروع اصطدم باستخدام روسيا حق النقض «الفيتو»، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً، مقابل صوت معارض وثلاثة امتناعات.

وبعد ذلك، قدمت روسيا مشروعاً مضاداً يقضي بتمديد ولاية المينورسو لمدة سنة أخرى دون التغييرات المقترحة، غير أن المشروع لم يحصل بدوره على الأغلبية اللازمة، بعدما صوتت لصالحه روسيا والصين والصومال، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع 11 عضواً.

وبهذه النتيجة، وجد مجلس الأمن نفسه أمام وضع استثنائي، بعدما تعذر اعتماد أي قرار يمدد ولاية البعثة، التي انتهت رسمياً في 31 أكتوبر 2026.

وهذا التطور لا يعني أن الأمم المتحدة حسمت السيادة على الصحراء أو اعتمدت جميع المطالب المغربية، لكنه يفتح مرحلة جديدة في تدبير الملف الأممي.

عقب فشل تجديد ولاية البعثة، صدر بلاغ عن الديوان الملكي المغربي بتاريخ 30 أكتوبر 2026، اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.

وأكد البلاغ أن عدم تجديد الولاية يعني أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

كما اعتبر أن صفحة امتدت على مدى 35 سنة قد طويت، وأن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق البحث عن تسوية نهائية.

وشدد المغرب، في المقابل، على التزامه بوقف إطلاق النار، واحترام وحدته الترابية وأمنه الوطني، مع مواصلة التحركات الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي.

ويعكس هذا الموقف تحولاً واضحاً في المقاربة المغربية، التي باتت تعتبر أن استمرار بعثة تأسست لتنظيم استفتاء لم يتحقق منذ أكثر من ثلاثة عقود لم يعد ينسجم مع التطورات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف.

من بين النقاط التي تستحق التوضيح في هذا الملف، أن وجود المينورسو لا يقتصر على المناطق الواقعة غرب الجدار الرملي، بل يشمل أيضاً مواقع مراقبة في المناطق الواقعة شرقه، حيث تتابع البعثة التحركات والتطورات العسكرية.

كما أن للبعثة مكتب اتصال بمدينة تندوف الجزائرية، بهدف التواصل مع السلطات الجزائرية وجبهة البوليساريو.
وهنا يجب التمييز بين المنطقة الشرقية الواقعة شرق الجدار الرملي والحدود الدولية المغربية الجزائرية؛ فهما ليسا منطقة واحدة، ولا يعني وجود المراقبين الأمميين شرق الجدار أنهم ينتشرون على طول الحدود المغربية الجزائرية.

أما بخصوص المستجدات الأخيرة، فإن الموقف المغربي المعلن عقب عدم تجديد الولاية يدعو إلى إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومعداتها ومركباتها، ولم يرد في البلاغ الملكي المنشور تحديد مستقل يقضي بإخلاء شريط الحدود المغربية الجزائرية تحديداً.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى أن المواقع الشرقية للبعثة كانت تشكل جزءاً من آلية مراقبة التطورات العسكرية وتفادي التصعيد بين الأطراف.

مع دخول فاتح نونبر 2026، بدأت مرحلة جديدة من مستقبل المينورسو، حيث أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن البعثة شرعت في تقليص وإنهاء عملياتها الميدانية، مع الإبقاء على فريق أممي أصغر للإشراف على إعادة المعدات أو التصرف فيها وفق الإجراءات المعمول بها داخل الأمم المتحدة.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن عملية إنهاء الوجود الميداني ليست مجرد مغادرة أفراد، بل تشمل ترتيبات لوجستية وإدارية ومالية، بالنظر إلى حجم البنية التي راكمتها البعثة خلال 35 سنة، بما فيها المركبات ومراكز المراقبة والتجهيزات والاتصالات.

وبحسب معطيات نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية عبر موقع هسبريس، تضم ممتلكات البعثة أسطولاً يقدر بنحو 350 مركبة، إلى جانب تجهيزات ومنشآت متعددة.

وهذا يعني أن انتهاء الولاية لا يساوي اختفاء جميع الهياكل الأممية بين عشية وضحاها، بل يتطلب مرحلة انتقالية لتصفية الالتزامات وتسوية وضعية الممتلكات والمرافق.

وبعد مرور 35 سنة على تأسيسها، تجد المينورسو نفسها أمام نهاية مرحلة تاريخية، بعدما فشلت في تحقيق الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله، والمتمثل في تنظيم استفتاء تقرير المصير.

فمن جهة، يعتبر المغرب أن استمرار البعثة بصيغتها القديمة لم يعد مبرراً، خصوصاً بعد التطورات التي عرفها الموقف الدولي من مبادرة الحكم الذاتي، وبعدما أصبح يطالب بإنهاء وجودها الميداني عقب عدم تجديد ولايتها.

ومن جهة ثانية، ترفض جبهة البوليساريو التخلي عن مطلب الاستقلال، وتعتبر أن استمرار الآلية الأممية ضروري لمراقبة الوضع الميداني، بينما تعارض الجزائر المقاربة التي ترى أنها تضعف دور الأمم المتحدة في النزاع.

أما الأمم المتحدة، فتواجه تحدياً مختلفاً، يتعلق بكيفية الحفاظ على الاستقرار وتفادي التصعيد في منطقة لم تنجح سنوات الوساطة الطويلة في الوصول إلى تسوية نهائية بشأنها.

وهكذا، تبدو الأطراف المعنية وكأنها تتحرك بين المطرقة والسندان؛ فالمغرب يريد إنهاء مرحلة تدبير النزاع والانتقال إلى تسوية سياسية وفق مبادرة الحكم الذاتي، والبوليساريو تتمسك بمطلب الاستقلال، والجزائر ترفض الصيغة التي تعتبرها منحازة للموقف المغربي، فيما تواجه المنظمة الأممية سؤالاً صعباً حول آليات مراقبة الوضع الأمني بعد انتهاء ولاية البعثة.

وتزداد حساسية المرحلة بالنظر إلى استمرار التوترات العسكرية منذ نونبر 2020، وما يمكن أن يترتب عن غياب آلية المراقبة الميدانية من مخاطر على الاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل القطيعة الدبلوماسية القائمة بين المغرب والجزائر منذ سنة 2021.

إن عدم تجديد ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026 يشكل منعطفاً تاريخياً في قضية الصحراء المغربية، لكنه لا يعني أن النزاع السياسي والقانوني انتهى بصورة تلقائية، ولا أن جميع الملفات المرتبطة به قد حسمت.

فالاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في مغادرة المراقبين الأمميين لمواقعهم فقط، بل في قدرة الأطراف المعنية على تجنب التصعيد، وإيجاد أرضية تفاوضية تفضي إلى تسوية نهائية تضمن الاستقرار والأمن في المنطقة المغاربية.
وبعد 35 سنة من الحضور الأممي، يبقى السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة:

هل ستكون نهاية المينورسو بداية الحل النهائي لقضية الصحراء المغربية، أم أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية والدبلوماسية في غياب المراقب الأممي الذي ظل حاضراً منذ سنة 1991؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.