يعتبر المال لغة العصر الحالي فمهما حاولنا رفع كفة الأخلاق ،سيظل المال سيد الموقف ، خاصة في زمننا هذا .
يعتبر المال من أولويات الحياة وكسبه يبقى الشغل الشاغل لكل واحد فينا ،وذكره الحق تعالى في كتابه الكريم :
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا
أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره، الباقيات الصالحات، وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا، فثوابها يبقى، ويتضاعف على الآباد، ويؤمل أجرها وبرها ونفعها عند الحاجة، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون، وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان:
نوع من زينتها، يتمتع به قليلا، ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.
لأن الباقيات الصالحات تأتينا منها المنفعة يقينا، بعكس المال والبنون لأن المال ضره أكثر من نفعه إذا أسيء إستخدامه، والبنون قد يكون أعداءا لكم إذا أسيء تربيتهم. وذلك في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التغابن:15].والمراد بهذه العداوة أن الإنسان يلتهي بهم عن العمل الصالح، أو يحملونه على قطيعة الرحم، أو الوقوع في المعصية، فيستجيب لهم بدافع المحبة لهم.ولهذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون:9].
وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأله عن هذه الآية، فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم -أي بعد مدة- ورأوا الناس قد فقهوا في الدين أي سبقوهم بالفقه في الدين لتأخر هؤلاء عن الهجرة، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن:14].وعن عطاء بن يسار وابن عباس أيضاً أن هذه الآية نزلت بالمدينة في شأن عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم فيقعد عن الغزو، وشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية في شأنهم.فالولد يكون عدوا لأبيه، والزوجة تكون عدوة لزوجها إذا تسببا في صرف الرجل عن طاعة الله أو إيقاعه في معصية الله، وهذا أمر معلوم مشاهد، فكثير من الآباء يقصرون في البذل والإحسان بسبب أبنائهم، ومنهم من يدخل بيته المنكرات استجابة لرغبة أهله وأولاده، ولهذا كان على المسلم أن يحذر حتى يسلم.
تبقى طريقة كسب المال هي مربط الفرس، فإن كسب من حلال وصرف لفعل الخير يظل نعمة في الدنيا وصدقة جارية للآخرة مادمنا نصنفه كوسيلة لتحقيق جزء من السعادة لا تتوقف عليه حياتنا ولايعتبر كل السعادة .
و تبقى درجة إرتباطنا به من يتحكم في مدى تأثيره علينا، يبقى المال سيد الموقف في أغلب الأحوال وتنحني له الرقاب و تضعف له الأنفس خاصة إذا غاب الوعي الديني والأخلاقى للإنسان.
ونأسف كل الأسف عند إحتياج مسن أو أرملة أو شابة للمال ، وإستسلامهم لطريق يستسهلون فيه العيش المريح، فإذا غابت الأخلاق مهما كان العمر أو الجنس فإن المال يتحكم بمصير الشخص ويقوده لطريق ذهاب بلاعودة.
لكن إذا تسلح الشخص بأخلاق نبينا الكريم وإبتعد عن نواهي ديننا الحنيف (الكذب ،ربا،قمار، الغش….) وما بتنا نجده الآن من البديهيات الحياتية ومن المسلمات هي الأسباب التي تخرب علينا حياتنا وتخلق فجوة في قيمننا الدينية .
الآن لا يحترم الشخص بل تحترم ملابسه الأنيقة وسيارته الجديدة ومنزله الفخم ، يتقرب إليه الناس ضعاف الأنفس لأن غالبيتهم منافقين ومتلمقين وفضوليين ، يتمنون زوال نعمتك في كل لحظة.
المال يعتبر وسيلة لتوفير عيش كريم ولنعيش براحة وتوازن ، يجب أن نلجم النفس البشرية لأنها أمارة بالسوء وتخضع لمغريات الحياة ، فالتسلح بديننا وترويضها بالقناعة مع السعي والكسب الشريف كفيل بتحجيمها وتقنين حدودها .
لذا يجب على كل شخص إعتبار المال وسيلة ليس غاية ،فكسبه يأتي بالسعي والعمل والكد ففقدانه و نقصه يكون أسهل من كسبه .
لا يكمن تقدير الشخص وإحترامه بتقييم هندامه أو وضعه المادي بل بأخلاقه و حسن معاملته للناس، وتقديره لهم وحسن الظن بهم والرأفة بحال المسكين والرحمة بحال الضعيف، والإحساس بحاجة المحتاج كلها صفات ترفع من قيمة الشخص وتجعل مجتمعنا رحيما متماسكا بنيانه مرصوص .
فلم يخرب حياتنا ومجتمعنا إلا الطمع والجشع وحب الذات والأنانية، وبعدنا عن الدين والسنة والأعراف كلها أسباب وسعت الفجوة بيننا فتهنا، و خربت بيوتنا وأصبحت أوهن من بيت العنكبوت.