يحتفل العالم الإسلامى فى الثانى عشر من مايو من كل عام بذكرى ميلاد الإمام الأكبر فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود صاحب ورائد مدرسة الفكر الإسلامي والتصوف في العصر الحديث، ولُقِّب بأبي التصوف ،شيخ الأزهر الأسبق العارف بالله الشيخ عبد الحليم محمود .
مرت ستة وأربعين سنة على وفاة العارف بالله شيخ الأزهر الراحل الشيخ عبد الحليم محمود، والذى وافته المنية فى 17 أكتوبر من عام 1978.
نشأ فى أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.
حفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر سنة 1923م، سنة ، ثم سافر إلى فرنسا على حسابه الخاص لاستكمال تعليمه العالي، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عن الحارث المحاسبي سنة1940م.
بعد عودته شغل منصب مدرس لعلم النفس بكلية اللغة العربية بكليات الأزهر، ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1964م، وعضوا ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فأعاد تنظيمه ونهض به، عين وكيلا للأزهر سنة 1970م ثم وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر.
تولى مشيخة الأزهر في ظروف حرجة، وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر سنة 1961م ، لم يكن أكثر الناس تفاؤلا يتوقع للشيخ عبد الحليم محمود أن يحقق هذا النجاح الذى حققه في إدارة الأزهر،حيث إسترد هيبة ومكانة مشيخة الأزهر ، وتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية على نحو غير مسبوق، جعل حينها للأزهر رأيا وبيانا في كل موقف وقضية.
أصدر الشيخ أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة، وكان بعضها بالفرنسية، من أشهر كتبه:
“أوروبا والإسلام”، و”التوحيد الخالص “أو “الإسلام والعقل”، و”أسرار العبادات في الإسلام”، و”التفكير الفلسفي في الإسلام”، و”القرآن والنبي”، و”المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي”.
صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر في27 مارس 1973م، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له، وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه حتى صدور قرار جديد من رئيس الجمهورية في يوليو 1974م يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبرا أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي.
روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالبا وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.إزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر ،تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده، جدير بالذكر أن قرارا جمهوريا صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء.

كان دور الشيخ الامام عبد الحليم محمود كبيرا في حرب اكتوبر، وهي رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم بانتصار المصريين في حرب أكتوبر على إسرائيل، وأبلغ الشيخ عبد الحليم محمود بهذه الرؤية للرئيس الراحل محمد أنور السادات، وهو ما قوى من عزيمة الرئيس السادات في قرار الحرب.
جاهد الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وعانى من ثقل المسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يهتم باللقب الكبير ، أو إلى درجة المنصب الذي يتقلده، فتحرك حول العالم خدمة للإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يستقبل إستقبال الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كان يحتشد الجموع التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.
في ظل هذا المجهود المنهك والرحلات شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 1978م تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.
