في عالمٍ يتباهى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تظل بعض الأنظمة مستمرة في استخدام القوة المفرطة لإسكات شعوبها، مستعينةً بإعلامٍ مأجور لتحويل القهر إلى وهم، والتلاعب بالوعي الجمعي لتبرير الاستبداد. في الجزائر وسوريا مثلا، تمثل الأنظمة العسكرية نموذجًا صارخًا للقمع، حيث تفرض حكمها بالقوة، بينما يساهم الإعلام الرسمي والممول في تضليل الرأي العام وتكريس الاستبداد.
منذ استقلال الجزائر عام 1962، ظل الجيش اللاعب الأساسي في المشهد السياسي، مهيمنًا على السلطة ومتحكمًا في مصير البلاد. فعندما اندلعت احتجاجات الحراك الشعبي في 2019، مطالبين بإسقاط النظام العسكري وإنهاء الفساد، كان الرد قاسيًا: قمعٌ للمتظاهرين، اعتقالات تعسفية، ومحاكمات صورية.
لكن القمع لم يقتصر على الشوارع، فقد لعب الإعلام الرسمي دورًا رئيسيًا في التلاعب بالرأي العام، حيث تم تسويق الحراك على أنه مؤامرة خارجية، وتم تلميع صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها “حامية البلاد من الفوضى”. الإعلام الخاص لم يكن أفضل حالًا، حيث تم شراء الذمم أو إخراسها، بينما تم التضييق على الصحفيين المستقلين والزج بهم في السجون بتهم فضفاضة مثل “الإضرار بالمصلحة الوطنية”.
أما في سوريا، فقد بلغ تحالف السلطة والإعلام مستوى أكثر وحشية. منذ اندلاع الثورة عام 2011، واجه الشعب السوري آلة قمعية لا تعرف الرحمة، استخدمت فيها السلطة كل وسائل البطش، من الاعتقالات والتعذيب إلى القصف والتهجير القسري.
لكن ما كان أكثر قسوة هو دور الإعلام الرسمي، الذي عمل كذراع دعائي للنظام، فأنكر المجازر، وزوّر الحقائق، ووصف الثوار بالإرهابيين، بينما تجاهل معاناة المدنيين تحت القصف والبراميل المتفجرة. الإعلام لم يكن مجرد شاهد زور، بل كان شريكًا في الجريمة، حيث ساهم في غسل أدمغة الجماهير، وإقناعها بأن النظام العسكري هو الضامن الوحيد للاستقرار، بينما المعارضة ما هي إلا دمى تحركها القوى الخارجية.
الإعلام في هذين النموذجين لم يعد سلطة رابعة تراقب السلطة وتحاسبها، بل تحول إلى أداة طيعة بيد العسكر، تُستخدم لتبرير القمع وتجميل الاستبداد. في الجزائر، أصبح الإعلام مجرد مكبر صوت للنظام العسكري، يخفي فشله السياسي والاقتصادي. وفي سوريا، تحول إلى بوق دعائي، يبرر المجازر ويشيطن كل صوت معارض.
ورغم هذا القمع المزدوج، يظل هناك بصيص أمل، يظهر في الصحافة المستقلة التي يقودها صحفيون مقاومون، يناضلون من أجل إيصال الحقيقة رغم التهديدات. كما أن وعي الشعوب بدأ في التطور، فبات من الصعب خداع الجماهير في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي فضحت كثيرًا من الجرائم وأثبتت أن الحقيقة، مهما تم تشويهها، تظل أقوى من كل دعايات الاستبداد.
ولكن في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال: هل الإعلام العربي في زمننا الحالي محايد، أم أنه مجرد أداة في يد السلطة لتزييف الحقيقة وتوجيه الرأي العام؟
