في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الإعلام ركيزة أساسية لترسيخ القيم، وتنوير الرأي العام، تحول في بعض جوانبه إلى ورشة مفتوحة لصناعة الإثارة و”الفلمنة” على حساب الحقيقة، قضية “القاتل بن أحمد” التي اهتز لها الرأي العام، مثال حي على هذا الانزلاق، حيث تحوّلت الجريمة إلى عرض سينمائي، والمجرم إلى “أسطورة” سوداء تُبنى حولها القصص المفبركة والمبالغات المربحة على مستوى “المشاهدات”.
القاتل إرتكب جريمة بشعة لا يختلف اثنان على بشاعته، وهو، كغيره من المجرمين، يجب أن يُقدَّم للعدالة لينال جزاءه طبقًا للقانون. غير أن ما أثار الاستغراب، وربما الاستياء، هو التحول السريع في الخطاب الإعلامي الذي لم يكتفِ بتغطية الجريمة، بل انغمس في سرد تفاصيل غير مؤكدة، وتحليلات لا سند لها، وتضخيم لشخصية الجاني بشكل يُظهره كما لو كان بطلًا لفيلم رعب، لا مجرمًا يستحق العقاب.
ما يحدث اليوم في كثير من المنصات الإعلامية والمنابر الرقمية يكشف عن أزمة عميقة في أخلاقيات النشر. غابت المسؤولية، وحضرت “المشاهدات”. لم يعد الهدف إيصال المعلومة بقدر ما صار شدّ الانتباه، بأي ثمن.
قضية “بن أحمد” لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، إذا استمر الإعلام في التعامل مع الأخبار المحلية كمسلسلات درامية،فقبلها عايشنا تضخيم حادثة “قرد أوريكا”، وتحويلها إلى ظاهرة شبه خارقة، رغم بساطتها. كلها دلائل على أننا أمام ظاهرة من “التسويق السوداوي” للجريمة والغرائبية.
في بلد يسعى إلى ترسيخ الثقة في مؤسساته، وتعزيز الأمن والسلم، لا يمكن السماح بانفلات الخطاب الإعلامي نحو الإثارة الرخيصة،فالإعلام الجاد يجب أن يحترم ذكاء المواطن، وأن يلتزم بحدود المهنة، خصوصًا في المواضيع التي تمس الأمن النفسي والاجتماعي.
ليس المطلوب التستر على الجريمة، بل تقديمها كما هي، ضمن إطار مهني يحترم عقل الجمهور، ويحترم كرامة الضحايا، دون تجميل للمجرمين أو تضخيم للوقائع. إننا بحاجة إلى إعلام يحترم نفسه قبل أن يطلب احترام الآخرين، إعلام يُصلح لا يُفسد، ويكشف الحقيقة لا أن يختلقها.
