مجلس الأمن بين ازدواجية المعايير.. مشروع للسلام أم أداة بيد القوى الكبرى؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أعاد مجلس الأمن الدولي مؤخرًا فرض العقوبات على إيران، في قرار جاء سريعًا وحازمًا، وهو ما يعكس قدرة المجلس على التحرك الفوري عندما يتعلق الأمر بدولة تُعتبر “خارج الإجماع الدولي”. لكن هذه الفاعلية تقابلها حالة من العجز أو التسييس حين تكون القرارات موجهة نحو حلفاء القوى الكبرى، وعلى رأسهم إسرائيل.

فعلى مرّ العقود، صدرت عشرات القرارات الأممية التي تُدين الاحتلال الإسرائيلي أو تطالب بوقف الاستيطان ورفع الحصار عن غزة، غير أن معظمها بقي حبرًا على ورق بسبب لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية حليفتها. هذا التناقض يثير تساؤلات عميقة حول حقيقة الدور الذي يلعبه المجلس: هل هو مؤسسة لضبط الأمن العالمي، أم ساحة لصراع النفوذ بين القوى العظمى؟

العراق مثلا (1990–2003) شهد تحرك مجلس الأمن بسرعة لفرض حصار شامل على بغداد بعد غزو الكويت، ثم منح غطاءً دوليًا لعمليات عسكرية تحت قيادة الولايات المتحدة. لكن حين جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 دون تفويض أممي، اكتفى المجلس بمواقف مترددة، ليُظهر محدودية قدرته أمام إرادة دولة كبرى.

ليبيا (2011): أصدر المجلس قرارًا يسمح بحماية المدنيين، لكن القرار استُخدم لاحقًا كغطاء لتدخل عسكري غيّر النظام الليبي بالكامل، وهو ما اعتبرته روسيا والصين خرقًا لتفويض المجلس وتحويلًا لمساره.

أوكرانيا (2022): حاول المجلس إصدار قرارات ضد الغزو الروسي، لكن موسكو – بصفتها عضوًا دائمًا – عطلت أي تحرك باستخدام الفيتو. وبذلك وجد المجتمع الدولي نفسه أمام أزمة كبرى دون قدرة حقيقية لمجلس الأمن على فرض حل أو ردع قوة عظمى.

مقابل هذه الأمثلة، نجد أن القرارات ضد دول مثل إيران أو كوريا الشمالية تصدر وتُنفذ بسرعة، بما يشمل عقوبات اقتصادية وعسكرية قاسية. ما يكشف عن “معيار مزدوج”: دول يمكن معاقبتها فورًا، وأخرى محصّنة بفضل دعم حلفاء أقوياء داخل المجلس.

هذا الواقع يجعل من مجلس الأمن مؤسسة متأرجحة بين وظيفتين: من جهة، هو مشروع عالمي يُفترض أن يحفظ السلم والأمن الدوليين؛ ومن جهة أخرى، هو ساحة تُترجم فيها موازين القوى لصالح الدول الخمس الدائمة العضوية، التي تملك حق النقض وتُحدد مصير القرارات وفقًا لمصالحها.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يمكن إصلاح مجلس الأمن ليكون أكثر عدلًا وشفافية، أم سيظل أداة سياسية بيد القوى الكبرى، تُستخدم أحيانًا كسلاح للردع وأحيانًا أخرى كدرع لحماية الحلفاء؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.