إقليم الرحامنة… حين يتحول التعليم إلى رافعة تنموية هادئة وفعّالة
في خضم النقاش الوطني المتواصل حول إصلاح المدرسة العمومية ومكانتها في مسار التنمية، يبرز إقليم الرحامنة كنموذج تربوي صاعد، اختار أن يراهن على الفعل الميداني بدل الشعارات، وعلى التخطيط الاستراتيجي بدل التدبير الظرفي. تجربة تعليمية هادئة في إيقاعها، عميقة في أثرها، تقودها المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بدعم ترابي واضح من عامل الإقليم السيد عزيز بوينيان، الذي جعل من النهوض بالمنظومة التعليمية أولوية حقيقية ضمن الرؤية التنموية للإقليم.
لم يظل دعم السلطات الإقليمية لقطاع التعليم حبيس الخطاب المؤسساتي، بل تجسد في مواكبة ميدانية مستمرة، واجتماعات تنسيقية منتظمة، ومصادقة فعلية على برامج ذات أثر مباشر. وفي هذا السياق، صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية على مشاريع تربوية بغلاف مالي يفوق 629 ألف درهم، استهدفت تحسين شروط التمدرس وتجويد العرض التربوي، خاصة بالمناطق القروية وشبه الحضرية، بما يعكس وعياً ترابياً بدور التعليم في تقليص الفوارق المجالية.

ومن بين الأوراش النوعية التي تعكس هذا التحول، يبرز مشروع “البرمجة للجميع” كتجربة رائدة على المستوى الجهوي، حيث يستفيد منه 3830 تلميذاً وتلميذة داخل 94 مؤسسة تعليمية موزعة على 25 جماعة ترابية. مشروع لا يكتفي بتلقين المعارف الرقمية، بل يسعى إلى تنمية التفكير المنطقي وروح الابتكار، وإدماج المتعلم في ثقافة العصر الرقمي.
ويكتسي هذا البرنامج بعداً استراتيجياً من خلال شراكة وازنة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات بابن جرير، بما يترجم عملياً تصنيف المدينة من طرف منظمة اليونسكو كـ“مدينة للتعلم”، ويجعل من المدرسة فاعلاً أساسياً في منظومة التعلم مدى الحياة.

ولا يقتصر الإشعاع التربوي للإقليم على المتعلمين فقط، بل يمتد ليشمل الأطر التعليمية، حيث مثلت الأستاذة حنان منتصر، أستاذة مادة المعلوميات بالثانوية الإعدادية المسيرة الخضراء، المغرب في دورة دولية رفيعة المستوى بجمهورية كوريا الجنوبية حول “البيداغوجيا الرقمية المتمركزة حول المتعلم”.
مشاركة تؤكد انتقال المديرية الإقليمية من موقع التلقي البيداغوجي إلى المساهمة الفعلية في النقاش التربوي الدولي، ونقل التجارب والخبرات العالمية إلى الفصول الدراسية المحلية.

وفي البعد الثقافي، بصم تلميذات وتلاميذ الإقليم على حضور لافت ضمن جائزة مولاي علي الشريف للإبداع – دورة الشعر التلاميذي، حيث أحرزت التلميذة مارية المزلوزي المرتبة الأولى جهوياً في صنف الشعر الفصيح، فيما نالت التلميذة فاطمة الزهراء بن إبراهيم المرتبة الثالثة، في إنجاز يعكس قدرة المدرسة العمومية بالرحامنة على الجمع بين التفوق الدراسي وتنمية الحس الإبداعي وترسيخ القيم الثقافية.
وعلى مستوى الرياضة المدرسية، برز تلاميذ الثانوية التأهيلية الشهيد صالح السرغيني في البطولة الجهوية لألعاب القوى بتحناوت، محققين نتائج مشرفة توجت بعدة ميداليات ذهبية في سباقات 800 متر (فتيات)، ودفع الجلة (شبان وفتيان وفتيات)، والوثب العالي (فتيان)، إضافة إلى ميداليات فضية وبرونزية في سباق 1000 متر (فئة الصغار) والتناوب المختلط، ما يؤكد الدور المتزايد للرياضة المدرسية في بناء شخصية المتعلم وتعزيز قيم الانضباط والتنافس الإيجابي.
وفي بعده البيئي، نجح الإقليم في ترسيخ قيم الاستدامة من خلال التتويج الجهوي لرفع “اللواء الأخضر” باليوسفية في يناير 2026. وقد حصلت مدرسة فرح كوم على اللواء الأخضر، فيما نالت مؤسسات أخرى شارات فضية وبرونزية، من بينها م/م الفقرا، م/م السميحات، والمدرسة الجماعاتية حمد بن خليفة، في اعتراف رسمي بالمجهودات المبذولة لترسيخ التربية البيئية داخل الوسط المدرسي.

خلاصة القول، إن ما يعيشه إقليم الرحامنة اليوم ليس سلسلة مبادرات معزولة، بل مسار إصلاحي متكامل يعكس مدرسة مغربية قادرة على صناعة الفرق. فبتكامل أدوار السلطات الإقليمية، والشركاء الأكاديميين، والأطر التربوية، تتحول الرحامنة وابن جرير إلى نموذج وطني في الاستثمار الذكي في التعليم، عنوانه: مدرسة تصنع المستقبل بهدوء… لكن بعمق.
