بين حرية التأثير ومسؤولية القانون.. هل حان وقت تأطير المؤثرين المغاربة؟
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير أو مشاركة تفاصيل الحياة اليومية، بل تحولت إلى قوة تأثير حقيقية، يتابعها ملايين المغاربة، ويؤثر محتواها في السلوك والذوق العام، خصوصاً لدى فئة الشباب والمراهقين. ومع اتساع هذا التأثير، تبرز في المقابل إشكالية سلوك بعض المؤثرين الذين يتعاملون مع البث المباشر وكأنه مساحة بلا حدود أو مسؤوليات.
وخلال الفترة الأخيرة، أثارت إحدى المؤثرات جدلاً واسعاً بعد ظهورها في بث مباشر أمام جمهور كبير، في واقعة اعتبرها كثيرون تجاوزاً للضوابط المرتبطة بالحياء والآداب العامة. والأكثر إثارة للجدل لم يكن فقط مضمون البث، وإنما الطريقة التي تم بها التعامل مع الانتقادات التي أعقبته، قبل أن تخرج المعنية لاحقاً بخطاب يتضمن تهديداً باللجوء إلى القضاء ومحاسبة من انتقدها.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بظاهرة أصبحت تستحق نقاشاً مجتمعياً وقانونياً هادئاً: هل يدرك بعض المؤثرين أن البث المباشر ليس خارج القانون؟
فكون الشخص يظهر أمام الكاميرا بإرادته، وأن المحتوى يتم بثه بشكل مباشر أمام جمهور واسع، لا يعني أن صاحبه أصبح بمنأى عن المسؤولية. فالحرية في استخدام منصات التواصل تقابلها مسؤولية عن المحتوى المنشور، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بممارسات يمكن أن تمس بالآداب العامة أو حقوق الآخرين أو تخالف القوانين الجاري بها العمل.
والأخطر من ذلك أن بعض الأسماء التي تمتلك ملايين المتابعين باتت تتعامل مع الشهرة باعتبارها نوعاً من الحصانة، وكأن عدد المشاهدات والإعجابات يمكن أن يمنح صاحبه حق تجاوز القواعد الاجتماعية والقانونية.
لكن المسألة لا ينبغي أن تتحول إلى حملة تشهير أو إلى محاكمة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي. المحاسبة، متى كانت هناك أفعال يجرمها القانون، يجب أن تتم عبر المؤسسات المختصة والقضاء، وليس عبر الانتقام الإلكتروني أو السب والقذف.
وفي المقابل، تتحمل السلطات والمؤسسات المعنية مسؤولية كبيرة في التعامل مع التحول الذي فرضته منصات التواصل الاجتماعي. فالمؤثر اليوم أصبح فاعلاً في المجال العام، وبعضهم يصل إلى جمهور يفوق ما تصل إليه وسائل إعلام تقليدية، وهو ما يجعل الحاجة إلى التأطير والتوعية أمراً لا يمكن تجاهله.
ومن بين الحلول الممكنة، إطلاق برامج للتربية الرقمية داخل المؤسسات التعليمية، وتعريف الأجيال الجديدة بأخلاقيات استخدام الإنترنت، وحدود حرية التعبير، والمسؤولية القانونية المترتبة عن النشر والبث المباشر، إضافة إلى توعية صناع المحتوى أنفسهم بحقوقهم وواجباتهم.
كما أن تنظيم دورات تكوينية لفائدة المؤثرين وصناع المحتوى يمكن أن يشكل خطوة عملية، خصوصاً بالنسبة لمن يمارسون نشاطاً إعلامياً أو إعلانياً أو يقدمون محتوى يصل إلى أعداد كبيرة من المواطنين.
المطلوب ليس “إعادة تربية” المؤثرين بمنطق العقاب أو الوصاية، وإنما بناء ثقافة جديدة تقوم على المسؤولية واحترام القانون والذوق العام. فالمؤثر الذي يخاطب ملايين الأشخاص يجب أن يدرك أن الشهرة ليست مجرد امتياز، وإنما مسؤولية أيضاً.
والرسالة الأهم هنا أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست منطقة خارجة عن القانون، كما أن انتقاد المؤثرين لا يمنح المواطنين بدوره حق التشهير أو التهديد أو القذف. الجميع أمام القانون سواء، والمؤثر كما المتابع مطالب باحترام الحدود التي تفرضها القوانين والأخلاق العامة.
لقد أصبح من الضروري أن ينتقل النقاش في المغرب من منطق “الترند” ورفع المشاهدات بأي وسيلة إلى سؤال أكبر: أي نموذج من المؤثرين نريد أن نصنعه للأجيال المقبلة؟
فالحرية لا تعني غياب المسؤولية، والشهرة لا تمنح حصانة، والقانون لا يُطبق بمنطق عدد المتابعين. وإذا كان المجتمع قد منح بعض المؤثرين ملايين المشاهدات، فمن حقه أيضاً أن يطالبهم بمستوى من الوعي والمسؤولية يوازي حجم التأثير الذي يمارسونه.
