بين صوت الفرد وإرادة الجماعة.. حين تصبح القبيلة طرفاً في صناعة القرار الانتخابي

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي المرتقب، تعود الانتخابات إلى واجهة النقاش العمومي باعتبارها أكثر من مجرد عملية لملء صناديق الاقتراع بالأوراق؛ فهي، في جوهرها، لحظة يختبر فيها المجتمع قدرته على الاختيار، وعلى تحويل قناعات أفراده إلى إرادة سياسية تفرز من يتولى مسؤولية تمثيل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية.

وفي خضم هذا الموعد الديمقراطي، يبرز سؤال قديم ومتجدد في بعض المناطق المغربية: هل يذهب الناخب إلى صندوق الاقتراع باعتباره فرداً مستقلاً يحمل قناعته الخاصة، أم باعتباره جزءاً من جماعة لها حساباتها وذاكرتها ومصالحها المشتركة؟

ففي عدد من المناطق، ما تزال الروابط العائلية والقبلية والاجتماعية حاضرة في تشكيل المواقف الانتخابية، وقد تتحول أحياناً إلى عامل مؤثر في توجيه الاختيار الجماعي نحو مرشح بعينه. وهنا لا تبدو المسألة انتخابية فقط، بل تلامس سؤالاً فلسفياً أعمق: أين ينتهي تأثير الجماعة وتبدأ حرية الفرد؟

فالإنسان، بطبيعته، لا يعيش خارج الجماعة. انتماؤه إلى قبيلة أو عائلة أو منطقة يمنحه شعوراً بالهوية والتضامن، وقد يرى في التصويت الجماعي وسيلة لحماية مصالح جماعته وضمان حضورها داخل المؤسسات المنتخبة. ومن هذا المنظور، لا تنظر بعض المكونات الاجتماعية إلى التصويت الجماعي باعتباره انتقاصاً من الديمقراطية، بل تعتبره شكلاً من أشكال التفاوض السياسي الجماعي، خصوصاً عندما يكون الهدف اختيار شخصية قادرة على إيصال مطالب المنطقة والدفاع عن مصالح سكانها.

لكن الوجه الآخر للمسألة يطرح إشكالاً لا يمكن تجاهله؛ فحين يتحول الانتماء إلى معيار وحيد للاختيار، قد يصبح البرنامج الانتخابي والكفاءة والنزاهة والخبرة عوامل ثانوية أمام قوة الروابط الاجتماعية. وهنا يبرز الخوف من أن يتحول صندوق الاقتراع من مساحة للاختيار الحر إلى مرآة تعكس موازين القوة داخل الجماعة.

الديمقراطية، في فلسفتها الأساسية، لا تعني فقط أن يكون لكل مواطن صوت، وإنما أن يكون لهذا الصوت معنى مستقل. فالصوت الانتخابي لا يفقد قيمته لأنه جاء من داخل جماعة، وإنما يفقد جزءاً من جوهره عندما يصبح صاحبه غير قادر على استعماله وفق قناعته الشخصية.

ومع ذلك، فإن اختزال الظاهرة في اعتبارها مجرد «تصويت قبلي» قد يكون تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً. فالناخب قد يصوت لمرشح ينتمي إلى جماعته لأنه يعتقد فعلاً أنه الأقدر على تمثيله، وقد يصوت له نتيجة ضغط اجتماعي، وقد يجمع بين الاعتبارين معاً. ولذلك فإن قراءة السلوك الانتخابي تحتاج إلى فهم السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي يصنع القرار، لا إلى إصدار أحكام جاهزة عليه.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يستطيع المرشح أن يتجاوز حدود قبيلته وعائلته ومنطقته ليصبح نائباً للأمة كلها؟

فهنا تكمن القيمة الحقيقية للاختيار الانتخابي. فالمرشح الذي يصل إلى البرلمان بدعم جماعته، يفترض أن يدرك أن لحظة إعلان النتائج تنهي مرحلة المنافسة وتبدأ مرحلة المسؤولية؛ وأن المقعد البرلماني لا يمثل قبيلة أو عائلة أو دائرة اجتماعية بعينها، وإنما يمثل المواطنين ومصالح الوطن ضمن مؤسسة يفترض أن يكون فيها معيار المصلحة العامة فوق كل انتماء ضيق.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في وجود الجماعة داخل المشهد الانتخابي، فالإنسان لا يستطيع ببساطة أن يتخلى عن جذوره وانتماءاته، وإنما في السؤال عن مدى قدرة الفرد على الاحتفاظ بحقه في الاختلاف.

فالانتخابات، في أعمق معانيها، ليست فقط بحثاً عن الأغلبية، بل اختباراً لمدى احترام الأقلية، وليست فقط انتصاراً لمرشح، بل انتصار لفكرة أن المواطن قادر على أن يقول: هذا اختياري، حتى عندما يختلف اختياري عن الجماعة التي أنتمي إليها.

وبين صوت الفرد وإرادة الجماعة، يبقى صندوق الاقتراع شاهداً على سؤال أكبر من الانتخابات نفسها: هل نصنع اختياراتنا بأنفسنا، أم أن اختياراتنا تصنعها الجماعة قبل أن نصل إلى الصندوق؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.