وجدة.. حين يتحول الحضور السياسي إلى رسالة تنظيمية واستحقاق إنتخابي

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

☆سكينة اسكاك☆

احتضنت مدينة وجدة، عاصمة جهة الشرق، لقاءً تواصلياً حاشداً لحزب التجمع الوطني للأحرار، ترأسه رئيس الحكومة ورئيس الحزب عزيز أخنوش، في محطة سياسية وتنظيمية بدت محمّلة برسائل تتجاوز الطابع التواصلي المباشر، لتلامس طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، ورهانات التنظيم الحزبي، وحدود الاختلاف الداخلي، فضلاً عن الحصيلة الحكومية وآفاق الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

وقد شكل الحضور الجماهيري والتنظيمي ، أحد أبرز معالم هذا اللقاء، إذ امتلأت القاعة بالحاضرين من مناضلي الحزب وفعالياته، في مشهد حمل دلالة سياسية وتنظيمية واضحة، خصوصاً في ظل نقاشات واختلافات سبقت انعقاد اللقاء، ومحاولات للتأثير على المشهد الحزبي المحلي. غير أن قوة الحضور أكدت، في المقابل، أن التنظيم السياسي لا يُقاس فقط بحجم الجدل الذي يدور داخله أو حوله، وإنما بقدرته على الحفاظ على تماسكه، وتعبئة قواعده، والانتقال من منطق الصراع حول المواقع إلى منطق العمل الميداني وخدمة المواطنين.

وفي هذا السياق، بدا أن محطة وجدة تحمل أيضاً رسالة داخلية مفادها أن المرحلة المقبلة ستفرض إعادة ترتيب الأولويات، والاحتكام أكثر إلى معيار الكفاءة والإنجاز والحضور الميداني. فالممارسة الحزبية الجادة لا ينبغي أن تختزل في البحث عن المواقع أو الواجهة أو الحضور في الصفوف الأمامية، وإنما في القدرة على تقديم قيمة مضافة حقيقية للساكنة، والدفاع عن قضاياها داخل المؤسسات، والمساهمة في صياغة حلول واقعية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تواجهها المنطقة. أما الاختلافات والطموحات الشخصية، فهي جزء طبيعي من الحياة السياسية، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى غاية في حد ذاتها أو إلى عامل لاستنزاف التنظيم وإضعاف قدرته على أداء أدواره.

ومن قلب هذا المشهد، جاءت كلمة عزيز أخنوش حاملة لمفهوم يمكن اعتباره من أبرز مفاتيح المرحلة، وهو مفهوم “الشجاعة السياسية”، من خلال التأكيد على ضرورة تقديم الحصيلة والبرنامج للمواطنين في وقت كاف يسمح بفتح نقاش عمومي مسؤول حولهما، بعيداً عن منطق المزايدات الظرفية التي عادة ما تشتد قبيل الاستحقاقات الانتخابية. وقد استند رئيس الحكومة في هذا السياق إلى مبادرة الحزب بتقديم حصيلته في شهر أبريل وبرنامجه في شهر يونيو، باعتبار ذلك تعبيراً عن رغبة في جعل النقاش حول الأداء والالتزامات سابقاً للحظة الانتخابية، بما يتيح للمواطن فرصة المقارنة بين ما تم الالتزام به وما تحقق على أرض الواقع.

وقد احتلت الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية حيزاً مهماً من الخطاب، من خلال استحضار مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالنمو والتضخم ومداخيل الدولة والتشغيل. وفي هذا الإطار، تم التطرق إلى تحسن معدل النمو وتراجع التضخم مقارنة بالمستويات المرتفعة التي شهدتها السنوات السابقة، وهي مؤشرات تعكس، من منظور حكومي، قدرة الاقتصاد الوطني على استعادة قدر من التوازن في ظل سياق دولي وإقليمي اتسم بارتفاع الأسعار والاضطرابات الاقتصادية وتداعيات الجفاف.

كما تم إبراز تطور مداخيل الدولة خلال السنوات الأخيرة، باعتباره مؤشراً على تحسن القدرة على تعبئة الموارد وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني. غير أن قراءة هذه المؤشرات تظل في حاجة إلى ربطها دائماً بالواقع الاجتماعي للمواطن، لأن قيمة الأداء الاقتصادي لا تتحدد فقط بالأرقام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية، والاستثمار، وجودة الخدمات العمومية، وفرص الشغل، وتحسين مستوى العيش.

ويكتسي ملف التشغيل، على وجه الخصوص، أهمية مركزية في تقييم أي حصيلة حكومية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بانتظارات الشباب والأسر المغربية. وفي هذا الصدد، تم استحضار المعطيات المتعلقة بتطور عدد مناصب الشغل، والتأكيد على تجاوز الهدف الذي حددته الحكومة في برنامجها بخصوص إحداث مليون منصب شغل، رغم تداعيات سنوات الجفاف. ومهما كانت أهمية هذه الأرقام، فإن التحدي الحقيقي يظل في ضمان استدامة فرص الشغل وجودتها، وتقليص الفوارق المجالية، وربط التكوين باحتياجات سوق العمل، حتى يتحول التشغيل من مجرد مؤشر كمي إلى رافعة فعلية للاستقرار الاجتماعي والتنمية.

وبالتوازي مع ذلك، تم التوقف عند عدد من الإصلاحات المرتبطة بالتعليم والصحة، وفي مقدمتها توسيع تجربة مدارس الريادة، والاستثمار في تكوين الأطباء والرفع من أعداد الخريجين سنوياً، في إطار معالجة الخصاص الذي تعرفه المنظومة الصحية الوطنية. وهي أوراش استراتيجية لا يمكن أن تقاس نتائجها فقط بعدد المؤسسات أو الخريجين، بل بمدى قدرتها على تحسين جودة المدرسة العمومية، والارتقاء بالخدمات الصحية، وتقليص الفوارق بين مختلف المجالات الترابية.

وفي الجانب السياسي والتنظيمي، حمل اللقاء كذلك رسائل مرتبطة بتدبير الاختلاف داخل الحزب ومحيطه الحكومي. فقد أكد أخنوش أن النقاش داخل المؤسسات الحزبية يظل مفتوحاً، غير أن القرارات التي يتم اتخاذها بشكل مؤسساتي تصبح ملزمة للجميع، وهي قاعدة أساسية في العمل السياسي المنظم، لأن قوة الأحزاب لا تقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرتها على تدبيره داخل المؤسسات وتحويل التعدد في وجهات النظر إلى عنصر إثراء، بدل أن يتحول إلى صراع يستنزف التنظيم.

كما شكل الجدل الذي رافق تصريحات القيادي راشيد الطالبي العلمي مناسبة لإبراز أن التدافع السياسي بين مكونات الائتلاف الحكومي يظل، في حدوده الطبيعية، جزءاً من الممارسة الديمقراطية، ما دام يحترم المؤسسات والاختصاصات الدستورية. وفي هذا السياق، جدد أخنوش التأكيد على أن الاختصاص المتعلق بتعيين الوزراء يظل من الصلاحيات الدستورية لجلالة الملك، بما يعكس ضرورة التمييز بين النقاش السياسي من جهة، والاختصاصات الدستورية والمؤسساتية من جهة أخرى.

ولعل ما يمنح لقاء وجدة أهمية خاصة هو أن المدينة والجهة الشرقية تحملان خصوصية تنموية وسياسية تستوجب من الأحزاب، أكثر من أي وقت مضى، الانتقال من منطق الحضور الانتخابي إلى منطق المشروع التنموي الواضح. فالجهة تحتاج إلى حلول عملية في مجالات التشغيل والاستثمار، ودعم المقاولات، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتقوية البنيات التحتية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، والاستثمار في مؤهلاتها البشرية والمجالية.

ومن ثم، فإن قوة أي تنظيم سياسي في المرحلة المقبلة لن تتحدد فقط بقدرته على تعبئة القاعات أو تنظيم اللقاءات، وإنما بقدرته على تحويل هذا الحضور إلى فعل مؤسساتي وميداني مستمر، وعلى جعل المواطن محوراً حقيقياً للعمل السياسي. فالمواطن اليوم أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين الحضور الظرفي والعمل المتواصل، وبين الوعود والنتائج.

وبهذا المعنى، يمكن اعتبار لقاء وجدة أكثر من مجرد تجمع حزبي؛ إنه محطة تعكس محاولة التجمع الوطني للأحرار إعادة تثبيت حضوره التنظيمي بالجهة، وتقديم حصيلته أمام الرأي العام، والاستعداد لمرحلة سياسية جديدة عنوانها المنافسة والبرامج والإنجاز. وإذا كان شعار “كرامة وفرص للجميع” يلخص جانباً من الرسالة السياسية التي حملها اللقاء، فإن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الشعار إلى سياسات عمومية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

لقد أظهرت وجدة أن الحضور السياسي يمكن أن يكون قوياً، وأن التنظيم قادر على التعبئة، لكن الاختبار الأهم يبدأ بعد انتهاء اللقاءات والخطب؛ إذ يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل التعبئة إلى عمل، والخطاب إلى التزام، والبرنامج إلى نتائج، والحضور السياسي إلى خدمة فعلية للمواطن. وفي نهاية المطاف، تظل صناديق الاقتراع هي المجال الذي تُقاس فيه قيمة الحصيلة، وصدقية الخطاب، وقدرة الفاعل السياسي على كسب ثقة المواطنين وتجديدها.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.