حين يطرق الشباب أبواب المسؤولين.. هل تجد مطالبهم آذانًا صاغية؟
☆اشرف ليمام☆
في الوقت الذي تتصدر فيه قضايا الشباب والطلبة الخطابات الرسمية باعتبارهم ركيزة أساسية في بناء المستقبل وقاطرة للتنمية، تكشف بعض الوقائع اليومية عن فجوة لا تزال قائمة بين ما يقال عن الإنصات لهذه الفئة وما تعيشه على أرض الواقع.
فخلف الشعارات المرتبطة بتمكين الشباب وتشجيع المبادرات ومواكبة الطلبة، توجد ملفات حقيقية تنتظر المعالجة، ورسائل يبعثها أصحابها إلى مسؤولين أملاً في إيجاد مخرج لمشاكل قد ترتبط بمسار دراسي أو إداري أو مهني. غير أن بعض هذه المراسلات قد تنتهي إلى صمت طويل، من دون أن يعرف صاحبها ما إذا وصلت إلى الجهة المعنية أو خضعت للدراسة.
ولا يتعلق الأمر هنا بانتظار جواب شخصي من وزير أو مسؤول سامٍ على كل رسالة، فهذا أمر يصعب تحقيقه عمليًا بالنظر إلى حجم الملفات والمهام. الإشكال الحقيقي يرتبط بمدى فعالية قنوات التواصل المؤسساتي وقدرتها على استقبال الشكايات والطلبات، ومعالجتها أو توجيهها إلى الجهات المختصة داخل آجال معقولة.
فالطالب الذي يراسل قطاعًا حكوميًا بسبب إشكال يهدد مساره الدراسي لا يبحث بالضرورة عن امتياز، وإنما عن توضيح لموقف الإدارة أو عن تدخل يضمن له معرفة مآل ملفه. والأسرة التي استثمرت سنوات من الجهد والمال في تعليم أحد أبنائها تنتظر بدورها مؤسسة قادرة على التعامل مع القضية بجدية، بعيدًا عن منطق الانتظار المفتوح.
تدبير الشأن العام لا يقتصر على اتخاذ القرارات أو تقديم الحصيلة أمام الرأي العام، بل يشمل أيضًا القدرة على استقبال ملاحظات المواطنين والتفاعل مع انشغالاتهم.
وقد لا تكون الإجابة دائمًا إيجابية، كما أن بعض المطالب قد تكون خارج الاختصاص أو غير قابلة للتنفيذ، لكن توضيح ذلك يظل أفضل من ترك صاحب الطلب في حالة غموض.
فالرد المؤسساتي، سواء حمل الموافقة أو الرفض أو الإحالة على جهة أخرى، يساهم في بناء الثقة ويؤكد أن الإدارة تتابع ما يصل إليها، بينما يؤدي غياب التواصل إلى الإحساس بالتهميش، خصوصًا لدى فئات شابة تبحث عن موطئ قدم داخل المؤسسات.
من الطبيعي أن ينخرط الوزراء في الحياة السياسية والحزبية، وأن يشاركوا في النقاش العمومي ويستعدوا للاستحقاقات الانتخابية في إطار القانون. غير أن المسؤولية الحكومية تفرض في المقابل وضوحًا في ترتيب الأولويات.
فالوزير مسؤول عن قطاع يرتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التشغيل أو التكوين أو الاستثمار. ومن ثم، فإن معالجة الاختلالات اليومية تظل جزءًا أساسيًا من التقييم الحقيقي للأداء الحكومي.
المواطن لا يقيس أداء المسؤول بعدد التصريحات التي يدلي بها، وإنما بما يلمسه من أثر داخل المؤسسة والإدارة والخدمات العمومية.
الشباب ليسوا مجرد كتلة انتخابية
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تزداد أهمية الخطاب الموجه إلى الشباب، لكن اختزال هذه الفئة في دورها الانتخابي سيكون خطأ سياسيًا ومجتمعيًا.
فالشباب يمثلون شريحة واسعة من الطلبة والمهنيين وحاملي المشاريع والباحثين وأصحاب الكفاءات، وهم جزء أساسي من حاضر البلاد، وليسوا مجرد أصوات تنتظر صناديق الاقتراع.
ومن حق هذه الفئة أن تسأل عن السياسات العمومية الموجهة إليها، وعن فرص التعليم والتكوين والتشغيل، وعن مدى قدرة المؤسسات على الاستماع إلى انشغالاتها قبل مطالبتها بالمشاركة السياسية.
العلاقة السليمة بين المواطن والمؤسسات لا يمكن أن تكون موسمية، ولا ينبغي أن تتحول إلى تواصل مكثف خلال فترة الانتخابات ثم تتراجع بعد انتهائها.
ملفات الطلبة تحمل خصوصية إضافية، لأن أي تأخر في معالجة إشكال إداري أو أكاديمي قد ينعكس مباشرة على مستقبل صاحبه.
فوراء كل طالب سنوات من الدراسة والتكوين، وأسرة وضعت آمالها في نجاحه، ومشروع مهني قد يتأثر بقرار إداري أو تأخر في معالجة ملف.
لهذا، فإن تحديث الإدارة الجامعية وتعزيز آليات استقبال الشكايات وتتبعها، وتوضيح المساطر، وتوفير قنوات فعالة للتواصل، كلها إجراءات يمكن أن تحد من حالات الاحتقان وتعيد الثقة إلى العلاقة بين الطالب والمؤسسة.
من الإدارة الورقية إلى ثقافة التتبع.
الرقمنة وحدها لا تكفي لتحديث الإدارة إذا لم ترافقها ثقافة جديدة في التعامل مع المواطن.
المطلوب هو أن يعرف صاحب الشكاية أو الطلب أن مراسلته وصلت، وأن يكون بإمكانه تتبع مسارها، ومعرفة الجهة التي أحيلت عليها، والحصول على جواب داخل أجل واضح متى كان ذلك ممكنًا.
مثل هذه الآليات لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانات استثنائية، بقدر ما تحتاج إلى تنظيم إداري واضح، ومسؤولية في التتبع، وإيمان بأن التواصل مع المواطن جزء من الخدمة العمومية وليس إجراءً ثانويًا.
كما أن تكريس هذه الثقافة يحد من الاعتقاد بأن الوصول إلى المسؤول لا يتم إلا عبر الوساطة أو العلاقات الشخصية، ويعزز مبدأ تكافؤ المواطنين أمام الإدارة.
السؤال الذي يستحق جوابًا
حين يرفع مسؤول شعار تمكين الشباب، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون أمام الكاميرات، وإنما عندما يصل إليه ملف لشاب أو طالب يطلب الإنصاف أو التوضيح.
هل توجد مؤسسة تستقبل صوته؟
هل هناك جهاز إداري يتابع طلبه؟
هل يحصل على جواب واضح، حتى وإن كان الجواب بالرفض؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصًا بعينه، بقدر ما تطرح نقاشًا أوسع حول جودة العلاقة بين الإدارة والمواطن، وحول الحاجة إلى الانتقال من خطاب الإنصات إلى ممارسة الإنصات.
فالشباب لا يحتاجون إلى وعود استثنائية، وإنما إلى مؤسسات يشعرون بأنها قريبة منهم، وإدارة تتعامل مع قضاياهم باعتبارها ملفات مرتبطة بمستقبل أشخاص، لا مجرد أرقام في سجل للمراسلات.
وفي النهاية، فإن قيمة أي سياسة موجهة إلى الشباب تقاس بقدرتها على تحويل الخطاب إلى ممارسة، والوعود إلى إجراءات، والمشاكل إلى حلول أو أجوبة واضحة.
لأن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة يبدأ أحيانًا من أمر بسيط جدًا: أن يطرق شاب الباب، فيجد من يفتح له ويستمع إليه.
