حين يغيب أهل العلم… من يحرس المنبر؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: «فَخَلِّ عنك العناء وأعطِ القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر».

ليست هذه العبارة مجرد إشادة بعلماء الحديث وحفاظه، ولا هي دعوة إلى احتكار المعرفة من طرف فئة بعينها، وإنما تحمل في عمقها سؤالًا فلسفيًا يتجاوز زمن قائلها: ماذا يحدث للمجتمع حين يتقدم من لا يملك أدوات المعرفة ليتحدث باسم الحقيقة؟

فالمنبر، بمعناه الواسع، ليس مكانًا خشبيًا يقف عليه الخطيب فحسب؛ بل هو كل مساحة يستطيع الإنسان من خلالها التأثير في عقول الآخرين وتشكيل وعيهم. وقد يكون المنبر مسجدًا، أو مدرسة، أو كتابًا، أو صحيفة، أو شاشة هاتف، أو منصة رقمية.

ومن هنا تبدو مقولة الذهبي شديدة الحضور في عصرنا؛ لأن المشكلة لم تعد في ندرة المتحدثين، بل في كثرتهم. أصبح كل شخص قادرًا على إنتاج المعلومة ونشرها في لحظات، بينما لا يمتلك بالضرورة القدرة على التحقق منها أو فهم سياقها أو إدراك نتائجها،وهنا تظهر قيمة التخصص.

فليس كل من امتلك القدرة على الكلام قادرًا على إنتاج المعرفة، وليس كل من حفظ بعض النصوص قادرًا على تفسيرها، وليس كل من امتلك جمهورًا يمتلك بالضرورة الحقيقة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال العام هو أن تتحول الثقة إلى بديل عن الدليل، وأن تتحول الشهرة إلى شهادة كفاءة، وأن يصبح عدد المتابعين معيارًا لصحة الأفكار.

ولذلك فإن عبارة «أعطِ القوس باريها» تحمل حكمة تتجاوز ظاهرها؛ فهي دعوة إلى أن تُسند الأمور إلى أهلها، وأن يُحترم التخصص، وأن يُفرق بين من يبحث عن الحقيقة ومن يبحث عن التصفيق.

لكن المسألة لا تتوقف عند أهل العلم وحدهم، بل تمتد إلى الجمهور أيضًا. فالمتلقي مسؤول عن وعيه، كما أن المتحدث مسؤول عن كلمته. المجتمع الذي يطالب الآخرين بالدليل ثم يصدق الشائعة لأنها توافق هواه، يساهم بنفسه في صناعة الفوضى التي يشكو منها.

وفي هذا السياق، تصبح حماية المنابر مسؤولية مشتركة: مسؤولية العالم في التثبت، ومسؤولية الإعلامي في التحقق، ومسؤولية المثقف في التفكير، ومسؤولية المواطن في عدم تحويل كل ما يسمعه إلى حقيقة.

والتاريخ يعلمنا أن أخطر الأفكار ليست دائمًا تلك التي تأتي بصوت مرتفع، وإنما تلك التي تجد من يمنحها شرعية المعرفة وهي تفتقد أدواتها.
لذلك فإن المقولة القديمة تفتح أمامنا سؤالًا معاصرًا بالغ الأهمية:
هل المشكلة في وجود من يتحدث، أم في غياب من يملك القدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء؟ربما يكون الجواب أن المجتمعات لا تحتاج إلى إسكات الأصوات، بقدر حاجتها إلى بناء عقل نقدي قادر على الاستماع، والمقارنة، والتحقق، ثم الحكم.

فحين يكون المنبر مفتوحًا للجميع، يصبح الوعي هو الحارس الحقيقي له.
والدرس الأعمق في كلام الذهبي ليس أن يتوقف الناس عن الكلام، وإنما أن يعرف كل إنسان حدود معرفته، وأن يمنح التخصص احترامه، وأن يدرك أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وأن التأثير أمانة قبل أن يكون نفوذًا.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات أكثر من قدرة الإنسان على فحصها، ربما أصبحنا بحاجة إلى استعادة معنى بسيط لكنه عميق:

ليس المهم أن نجد من يتحدث… بل أن نجد من يستحق أن نصدقه.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.