بين التسيير والتخيير… الإنسان في نظر الشعراوي “عبدٌ تديره رحمة الله”
في خضم الأسئلة الكبرى التي شغلت عقول البشر منذ القدم، يبرز سؤال القدر والاختيار: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟
وقد تناول العلماء والمفكرون هذه القضية على مرّ العصور، لكن الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – قدّم إجابة بليغة وعميقة، تجمع بين المنطق والعقيدة، وتقرّب المفهوم إلى العقول والقلوب على السواء.
يقول الشعراوي إن الإنسان في هذه الحياة يعيش بين ثلاثة أنواع من الأفعال:
أفعال تقع عليه، وأفعال تقع فيه، وأفعال تقع منه.
فـالأفعال التي تقع عليه هي ما يحدث في محيطه دون إرادته؛ كالمطر، والبرد، والحر، والمرض، والحوادث. هذه الأفعال تقع عليه بقدَر الله، وليس له فيها اختيار. فهل يستطيع الإنسان أن يمنع المطر أو يوقف الريح؟ بالتأكيد لا، وهنا يكون مُسَيَّرًا.
أما الأفعال التي تقع فيه فهي ما يجري داخل جسده، من نبض القلب، وحركة الدم، وعمل الأعضاء الداخلية، والهضم والتنفس. وهنا أيضًا الإنسان مُسَيَّر لا مُخَيَّر. ويقول الشعراوي في ذلك إن من رحمة الله بالإنسان أنه لم يجعله مسؤولًا عن هذه الوظائف، لأن المرء لو كان مكلفًا بتحريك قلبه أو ضبط تنفسه لما عاش لحظة مطمئنًا، ولما استطاع أن يلتفت إلى عمل أو عبادة أو حياة.
وأخيرًا تأتي الأفعال التي تقع منه، وهي منطقة الاختيار والمسؤولية، حيث يقرر الإنسان أن يقوم أو يجلس، أن يعمل أو يتكاسل، أن يصدق أو يكذب، أن يطيع أو يعصي. في هذه المساحة وحدها يكون الإنسان مُخَيَّرًا، وهي التي سيُحاسب عليها أمام الله.
ويرى الشعراوي أن في هذا التوازن كمالًا في عدل الله وحكمته، فالإنسان ليس آلة بلا إرادة، ولا إلهًا يملك السيطرة على كل شيء، بل عبدٌ من عباد الله، مُكَلَّف بما يستطيع، ومُعفى مما لا يملك.
بهذه الرؤية البسيطة والعميقة في آنٍ واحد، استطاع الشيخ الشعراوي أن يقدّم للناس فهمًا يسيرًا لقضيةٍ طال حولها الجدل، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية ليست في أن تفعل كل ما تريد، بل أن تعرف حدود ما خُلقت له وما قُدّر عليك.

